Anda di halaman 1dari 34

‫قصص لـ‬

‫غسان كنفاني‬

‫الهإداء‬

‫إلى أختي فائزة‪...‬‬


‫إن كان في القصص ما يستحق أن يهدى إلى العزيزة فائزة‪..‬‬

‫غسان‬

‫مقدمـــــــة‬

‫جرت العادة أن يحصل النتاج الوأل ليأ كاتب على " جوأاز مروأر " للقارئ‪ ...‬كلمة لقلم مشهوأر‬
‫تتصدر الكتاب‪..‬أوأ جمل موأجزة على ظهر الغلفا‪ ،‬أوأ حملة دعائية وأاسعة يشترك فيها الكاتب‬
‫وأالناشر وأأصدقاء الطرفين‪ ،‬يحكوأن فيها كيفا خلقت القصص‪ ،‬وأكيفا نزفها القلم المجروأح‪ ،‬وأكيفا‪..‬‬
‫وأكيفا‪..‬‬
‫أنا أؤمن أن الكتاب يجب أن يقدم نفسه‪ ،‬إوأاذا عجز عن إحراز جزء من طموأح كاتبه‪ ،‬فعلى الكاتب أن‬
‫يقبل ذلك ببساطة‪ ،‬كما قبل ـ مرات وأم ار ت ـ أن يمزق قصص ا ليعيد كتابتها‪ ..‬أوأ يكتب سوأاهإا‪..‬‬
‫وأهإكذا ) فموأت سرير رقم ‪ ،( 12‬أدفعها لتشق طريقها‪ ،‬إن استطاعت أن تهتديأ إلى أوأل الطريق‪،‬‬
‫بنفسها‪ ،‬دوأن " شفاعة " وأدوأن " وأساطة " وأدوأن " جوأاز مروأر "‪..‬‬
‫حتى هإذه الكلمة‪ ،‬يجب أن ل تكتب لوأل أنني أردت منها شرح نقطة وأاحدة‪..‬‬
‫مجموأعة القصص قسمتها إلى ثالثاة أقسام‪ ..‬وألم يكن الهدفا من ذلك ملحقة التطوأر الزمني‪،‬‬
‫فبعض القصص قي القسم الوأل كتبت في فترة زمنية أتت في أعقاب القصص التي كتبت في القسم‬
‫ل‪ ..‬وألكن الهدفا من هإذا التقسيم هإوأ الفصل بين ثالثاة أنوأاع من القصص‪ ،‬إذا عجزت هإي‬
‫الثاالث مثا ا‬
‫نفسها عن توأضيح الفرق بينها‪ ،‬فلن تستطيع هإذه الكلمة الموأجزة أن تفعل‪..‬‬
‫وألبد أيضاا‪ ،‬وألوأ بدا ذلك غريبا بعض الشيء‪ ،‬أن أرسل عزائي إلى العائلة المجهوألة التي فجعت‬
‫بموأت ابنها " محمد علي اكبر " الذيأ مات بعيدا‪ ،‬وأحيدا‪ ،‬غريبا‪ ،‬على السرير رقم ‪ ،12‬وأهإوأ ينزفا‬
‫عرقا نبيلا في سبيل لقمة شريفة‪..‬‬

‫غسان كنفاني‬

‫القسم الوأل‬

‫البوأمة في غرفة بعيدة‬


‫شيء ل يذهإب‬
‫منتصفا أيار‬
‫كعك على الرصيفا‬
‫في جنازتي‬
‫الرجوأحة‬

‫البوأمة في غرفة بعيدة‬

‫كل صوأر عدد كانوأن الوأل من المجلة الهندية "أ‪ "..‬كانت رائعة ‪ ،‬وألكن أروأعها بل شك صوأرة ملوأنة‬
‫لبوأمة مبتلة بماء المطر ‪ ..‬وأتكمن كل روأعها في لحظة اللقطة الموأفقة ‪ ،‬وأفي براعة الزاوأية ‪ ..‬وأاهإم‬
‫من هإذا كله ‪ :‬في اصطياد النظرة الحقيقية للبوأمة المختبئة في ظل ليل بل قمر ‪.‬‬
‫كنت في غرفتي ‪ :‬غرفة عازب بجدران عارية تشابه إحساسه بالوأحدة وأالعزلة ‪ ..‬أرضها متسخة‬
‫بأوأراق ل يدريأ أحد من أين جاءت ‪ ،‬وأالكتب تتكدس فوأق طاوألة ذات ثالث قوأائم رفيعة ‪ ،‬أما القائمة‬
‫الرابعة فلقد استعملت يدا لمكنسة ما لبثات أن ضاعت ‪ ..‬وأالملبس تتكوأم فوأق مسمار طوأيل حفر‬
‫عدة ثاقوأب بظهر الباب قبل ان يرتكز نهائيا في ثاقبه الحالي ‪.‬‬
‫قلت لنفسي وأأنا أشد بصريأ إلى صوأرة البوأمة الرائعة ‪:‬‬
‫‪ -‬يجب أن تعلق هإذه الصوأرة على حائط ما ‪ ..‬فذلك يكسب الغرفة بل شك شيئ ا من الحياة‬
‫وأالمشاركة ‪...‬‬
‫‪ -‬ألصقت الصوأرة بالفعل على الحائط المقابل للسرير ‪ ،‬وأأطرتها بوأرقة بنية كي تنسجم مع الحائط‬
‫بشكل من الشكال ‪ ،‬كان العمل الفني ‪ ،‬إذن ‪ ،‬قد أخذ سبيله إلى الغرفة وأكان لبد أن اغبط نفسي‬
‫على التقاط هإذه الصوأرة ‪.‬‬

‫عندما آوأيت لفراشي في منتصفا الليل فاجأتني الصوأرة ‪ ،‬كان ضوأء الغرفة خفيف ا بعض الشيء ‪،‬‬
‫وأقد يكوأن هإذا هإوأ السبب الذيأ من اجله بدت لي الصوأرة في غاية البشاعة ‪ ،‬كان رأس البوأمة اكبر‬
‫من المعتاد وأكان يشبه شكلا رمزيا لقلب مفلطح بعض الشيء ‪ ،‬أما المنقار السوأد فلقد كان معقوأفا‬
‫بصوأرة حادة حتى ليشبه من منجلا عريض النصل ‪ ،‬وأالعينان كانتا مستديرتين كبيرتين يختفي‬
‫أعلهإما تحت انحناءة الحاجبين الغاضبين ‪ ،‬كان في العيني غضب وأحشي ‪ ،‬وأكانت النظرة – رغم‬
‫ذلك – تحتوأيأ خوأف ا يائس ا مشوأب ا بتحفز بطوألي وأتشبه إلى حد بعيد نظرة إنسان خضع فجأة للحظة‬
‫ما ‪ ،‬عليه أن يختار فيها بين أن يموأت ‪ ،‬أوأ أن يهرب كان الوأجه مخيف ا وأبدا أن العيوأن المستديرة‬
‫اللماعة باماضة حية ‪ ،‬كانت تحدق عبر صمت الغرفة ‪ ،‬وأتخترق برعشتها الحية جمجمتي ‪ ،‬وأتقوأل‬
‫بصرير حار ‪:‬‬
‫‪ -‬أتذكر ؟ ‪ ..‬لقد التقينا مرة قبل الن‬

‫أطفأت الضوأء الشاحب ‪ ،‬وأدفنت رأسي في الغطاء الموأسخ بعرق الصيفا اللزج ‪ ،‬وأرغم ذلك ‪ ،‬فلقد‬
‫كنت أرى العينين الغاضبتين الخائفتين تخترقان الظلمة وأتحدقان في ‪ ،‬كان وأجه البوأمة المتحديأ‬
‫لضغط لحظة ليس فيها سوأى الختيار بين الموأت وأالفرار مائلا في رأسي كأنني لم احوأل نظريأ عنه‬
‫بعيدا ‪ ،‬ملحاحا ‪ ،‬غضوأبا يتمسح باشمئزاز ساخر ‪ ،‬وأعبثاا ذهإبت كافة المحاوألت التي بذلتها لسلخ‬
‫الصوأرة عن رأسي ‪ ،‬كانت شيئ ا قد دخل إلى الغرفة العاريـة ‪ ،‬وأعلى إحساسي ‪ ،‬وأتمزق الصمت‬
‫الميت تحت الصرير الحاد الذيأ كان ما يزال ينحدر من المنقار السوأد المعقوأفا ‪:‬‬
‫‪ -‬لقد تقابلنا مره قبل الن ‪ ...‬اتذكر ؟ !‬

‫شعرت فجأة بأنني أعرفا هإذا الوأجه تماما ‪ ،‬وأأني أرتبط معه بذكرى يجب أن ل تمحى ‪ ،‬نعم ‪ ،‬أنا‬
‫أعرفا تينك العينين الحادتين الغاضبتين الصامدتين للحظة اختيار مخيفة ‪..‬لكن أين تقابلن ؟ متى ؟‬
‫كيفا ؟‬

‫لقد بدا كل شيء مغلفا بضباب متكاثافا ‪ ،‬وأرغم ذلك كانت ثامة ذكرى تلتمع من بعيد ‪ ،‬إل أنها كانت‬
‫غامضة مغرقة في البعد ‪ ،‬هإناك سد كثايفا يحوأل دوأن رأسي وأتلك الذكرى ‪ ،‬وأكان لبد من التذكر ‪.‬‬
‫فعينا البوأمة الغاضبتين تبعثاان دفقة إحساس حاد في نفسي بأننا قد تعارفنا قبل الن ‪ ..‬وألكن متى‬
‫؟ وأكيفا ؟ وأأين ؟ ‪.‬‬

‫نهضت من فراشي إذ تيقنت استحالة النوأم تحت تلك الوأطأة وأأضأت المصباح ثام وأقفت أما الصوأرة‬
‫الملوأنة ‪ :‬العيوأن هإي ‪ ،‬لم تزل ‪ ،‬تطل غاضبة وأاسعة مغروأسة في الوأجه المفلطح العجيب ‪.‬‬
‫وأالمنقار المعقوأفا كنصل عريض لمنجل أسوأد ‪ ،‬لم يزل ‪ ،‬يطبق بعنفا على ضرب من الشمئزاز‬
‫الساخر ‪ ،‬وأالريش الرماديأ الملوأن بحمرة وأقحة يتجمع خصلا كصوأفا قذر بعد أن ابتل بماء المطر ‪.‬‬

‫سقطت الذكرى ‪ ،‬بعد فترة ‪ ،‬فاصلة مدوأية صاخبة فأوأرثاتني دوأارا مفاجئ ا ‪ ،‬وأالتمعت خلل الضباب‬
‫المتكاثافا كل الشياء التي ذكرتني بها البوأمة المخيفة ‪ ،‬وأبدا لي أننا نعرفا بعضنا جيدا ‪.‬‬

‫***‬
‫كان ذلك قبل عشر سنوأات على وأجه التقريب ‪ ،‬كنت في قريتي الصغيرة التي تتساند دوأرهإا كتف ا إلى‬
‫كتفا فوأق حاراتها الموأحلة ‪ ،‬أذكرهإا الن أشباح ا تتلمح منذ زمن بعيد ‪ ،‬كنت طفلا آنذاك ‪ ،‬وأكنا‬
‫نشهد ‪ ،‬دوأن أن نقدر على الختيار ‪ ،‬كيفا كانت تتساقط فلسطين شبرا شبرا وأكيفا كنا نتراجع شبرا‬
‫شب ار ‪ .‬كانت البنادق العتيقة في أيديأ الرجال الخشنة تمر أمام أعيننا كأساطير دموأية ‪ ،‬وأأصوأات‬
‫القذائفا البعيدة تدلنا أن معركة تقع الن ‪ ،‬وأأن – ثامة – أمهات يفقدن أزوأاجهن ‪ ،‬وأاطفال يفقدوأن‬
‫آباءهإم ‪ ،‬وأهإم ينظروأن عبر النوأافذ ‪ ،‬صامتين ‪ ،‬إلى ساحة الموأت ‪.‬‬
‫ل اعرفا في أيأ يوأم وأقع الحدث ‪ ،‬حتى ابي أيضا نسي ذلك ‪ ،‬كان اليوأم المشؤوأم ‪ ،‬كان أكبر من‬
‫أن يتسعه اسم أوأ رقم ‪ ،‬لقد كان في حد ذاته علمة من علئم الزمن الكبيرة ‪ ،‬من تلك التي توأضع‬
‫في مجرى التاريخ كي يقوأل الناس " حدث ذلك بعد شهر من يوأم المذبحة " ‪ ..‬مثالا ‪ ..‬كان يوأما من‬
‫تلك اليام ل شك ‪ ،‬إوأال لكنا حشرناه تحت رقم اوأ تحت اسم أوأ تحت عنوأان ‪.‬‬

‫لقد بدأ الهجوأم قبيل منتصفا الليل وأقال أبي الشيخ لمي فيما هإوأ يتنكب بندقيته الثاقيلة ‪:‬‬
‫‪ -‬انه هإجوأم كبير هإذه المرة ‪..‬‬
‫وألقد عرفنا ‪ ،‬نحن الصغار من أصوأات الطلقات أنه هإناك أسلحة جديدة وأأن هإناك هإجوأما من ناحية‬
‫أخرى لم تطرق قبل الن ‪ ..‬وأان قنابل حارقة قد سقطت في وأسط القرية فأحرقت بيت ا وأأطفال ‪،‬‬
‫وأحين نظرنا من خصاص النافذة الوأاطئه شاهإدنا كمن يحلم – أشباح نسوأة منحنيات يسحبن جثاثا ا‬
‫إلى داخل القرية ‪ ،‬وأكان يستطيع المستمع بإمعان أن يلتقط صوأت نشيج مخنوأق ‪ :‬إحداهإن – هإكذا‬
‫كانت تشير أمي – فقدت زوأجها وأصموأدهإا في آن مع ا ‪.‬‬

‫بعد ساعة من الهجوأم المباغث ‪ ،‬تراجع رجالنا ‪ ،‬كانت جهنم قد صعدت إلى ظهر قريتنا ‪ ،‬وأبدا لنا‬
‫أن النجوأم أخذت تتساقط على بيوأتنا ‪ ،‬وأقالت امرأة مرت تحت شباكنا تسحب جثاة وأتلهث ‪:‬‬
‫‪ -‬انهم يقاتلوأن بالفؤوأس ‪..‬‬
‫وأقتال الفؤوأس لم يكن غريب ا على رجال قريتنا ‪ ،‬فلقد كان الفأس هإوأ سلح الوأاحد منهم بعد أن تتقيأ‬
‫بندقيته كل ما في جوأفها ‪ ،‬فكان يحملها على كتفه زاحفا فوأق الشوأاك الجافة ‪ ،‬ثام يشاهإد‬
‫المحاربوأن من خنادقهم الرطبة شبح انسان راكع ‪ ،‬يرفع كلتا يديه فوأق رأسه ما وأسعه ذلك ‪ ،‬وأبين‬
‫كفيه يتصلب فأسه الثاقيل ‪ ،‬ثام يهوأيأ الفأس ‪ ،‬وأيتصاعد صوأت ارتطام عريض مخنوأق ‪ ،‬وأيبتلع‬
‫الظلم أنة ممدوأدة يعقبها شخير عنيفا ‪ ،‬ثام يصمت كل شيء ‪.‬‬

‫لقد بدأ قتال الفؤوأس إذن ‪ ،‬هإذا يعني أن الرجال قد تلحموأا ‪ ،‬وأأن جثاثانا كثايرة قد ضاعت في خطوأط‬
‫العداء مطبقة أكفها بتشنج عنيد على الفأس ‪ ،‬وأاضعة أنوأفها براحة مطلقة على التراب الطيب ‪،‬‬
‫وأمستلقية بهدوأء ‪.‬‬
‫بدأت قريتنا تنكمش ‪ ،‬وألم يعد هإناك أيأ عمل للشيوأخ غير أن يعوأدوأا إلى بيوأتهم ‪ ،‬وألقد شاهإدنا أبي‬
‫يعوأد منهكا ‪ ،‬وألكنه لم يضع أية لحظة بل توأجه لتوأه على درج عتيق كان محظوأ ار علينا القتراب‬
‫منه وأتناوأل مسدسا صغي ار دفعه لمي بعد أن تأكد من حشوأه ‪ ،‬وأأشار لها بعينيه تجاهإنا ‪ ،‬أنا‬
‫وأأخوأتي ‪ ،‬وأقفل عائدا إلى الشارع ‪.‬‬

‫كانت أختي الكبيرة قد فهمت كل شيء ‪ ،‬فأخذت تبكي دافنة رأسها في كفيها ‪ ،‬بينما ارتعشت أمي‬
‫وأهإي تحمل المسدس على راحتها وأتتوأجه إلى النافذة ‪ ،‬في تلك اللحظة قرع باب عتيق كان يفصل‬
‫بيننا وأبين جيراننا – وألم نكن نستعمل ذلك الباب على الطلق – وأصاح صوأت العجوأز ‪ ،‬جارنا ‪،‬‬
‫راجفا ‪ _ :‬افتحوأا ‪ ..‬افتحوأا ‪..‬‬
‫أز الباب أزيزا رفيع ا إذ سحبته أمي فاندفع العجوأز إلى الغرفة خائف ا ‪ ،‬وأأجال بصره فينا ‪ ،‬ثام توأجه‬
‫لمي وأهإمس في أذنها كلم ا أبدت استنكارهإا له ‪ ،‬ثام عاد فهمس بحماس اكثار‪ .‬فترددت أمي ثام‬
‫هإزت رأسها موأافقة ‪ ،‬وأأشارت إلي أن أتبع العجوأز إلى بيته ‪..‬‬

‫دخلت خلفا العجوأز إلى غرفة دافئة مفروأشة ببسط ملوأنة ‪ .‬وأأخذت أراقبه فيما هإوأ يحرك ستارة ‪،‬‬
‫وأيتناوأل من وأرائها صندوأقا صغي ار يضعه برفق بين ذراعي ‪ ،‬شعرت أن الصندوأق أثاقل من ما يبدوأ‬
‫فتساءلت برأسي وأاتاني الجوأاب من فمه الدرد ‪:‬‬
‫‪ -‬هإذه قنابل كان المرحوأم ابني خبأهإا هإنا ‪.‬‬

‫وأهإز رأسه بأسى ‪ ،‬وأانتبهت لكلمة ) المرحوأم ( التي لم تكن تستعمل قبل ذلك في هإذه الغرفة ‪ ،‬وأل‬
‫في بقية الغرفا ‪ ،‬فراوأدني شعوأر بالخوأفا بينما استمر الشيخ ‪:‬‬
‫‪ -‬يوأشك اليهوأد أن يدخلوأا القرية ‪ ..‬إوأاذا وأجدوأا هإذه عنديأ قامت قيامتهم !‬
‫وأتباطأت كلماته ‪ ،‬وأبدأ يحرك إصبعه في وأجهي حركة تحذير ‪:‬‬
‫‪ -‬أنت صغير ‪ ،‬وأتستطيع أن تخترق الحديقة ‪ ..‬أريدك أن تدفن هإذا الصندوأق في أخرهإا ‪ ..‬تحت‬
‫شجرة التين الكبيرة ‪ ..‬ربما احتجنا له فيما بعد ‪..‬‬

‫سرني أن أشارك بعمل بطوألي ‪ ،‬فاندفعت إلى خارج الباب ‪ ،‬وأعندما وأجدت نفسي في الطريق إلى‬
‫الحديقة تملكني خوأفا رهإيب ‪ ،‬وأحدثاتني نفسي ‪ ،‬وأهإي ترتجفا أن ألقي حملي الثاقيل وأأقفل عائد ا‬
‫أدراجي ‪ ،‬لكني تنبهت إلى أن أمي لشك تطل من نافذتها وأتشاهإدني ‪ ،‬كانت السماء شبه مضاءة‬
‫بقنابل اللهب ‪ ،‬وأكانت الش اررات تلتمع في الفق راسمة خطوأطا مقطعة ا منتهياة بضوأء ساطع ‪ ،‬وأفي‬
‫لحظات الصمت المخيفة التي كانت تتبع كل دفقة نار كانت تسمع أصوأات ما تبقى من رجالنا تغني‬
‫على طريقتها في المعارك غناء يبدوأ كأنه يتصاعد من عالم آخر ‪ ،‬عالم يموأت فيه النسان وأهإوأ‬
‫يعض على بقية الغنية الحلوأة ‪ ،‬ثام يتمها هإناك في السماء ‪.‬‬

‫اخترقت الحديقة منحني ا ‪ ،‬وأكانت الطلقات تمس أعلى الشجر بصفير خافت ‪ ،‬وأكانت التينة العجوأز‬
‫تنتصب في آخر الحديقة عندما وأصلتها شعرت بحماسة غامضة ‪ ،‬وأأنشأت أحفر في الرض‬
‫مستعينا بعوأدة صلبة ‪ ،‬وأفي اللحظة التي أسقطت فيها الصندوأق بالحفرة ‪ ،‬سمعت صيحة حادة في‬
‫أعلى الشجرة ‪ ..‬وأتملكني خوأفا أسقط ركبتي إلى الرض وأأخذت أحدق مرتجف ا عبر الغصان ‪ ..‬ثام‬
‫شاهإدتها ‪ ،‬على ضوأء اللهب المتصاعد في سماء قريتنا ‪ ،‬تقفا هإناك وأتحدق إلي بعينين وأاسعتين‬
‫غاضبتين أخفى أعلهإما انحدار الحاجب عليهما ‪ ..‬كان منقارهإا معقوأف ا كمنجل اسوأد ذيأ نصل‬
‫عريض ‪ ،‬وأرأسها الكبير كصوأرة قلب رمزيأ مفلطح يتمايل بانتظام ‪ ،‬كان ريشها مبتلا بماء المطر‬
‫الذيأ انهمر في أوأل الليل ‪ ،‬وأكان يوأمض في عيوأنها ذلك الغضب المشوأب بخوأفا غريب ‪ ،‬وأكانت‬
‫تحدق إلي عبر الظلمة ‪ ،‬تحديقا متوأاصلا ل يرتعش ‪.‬‬

‫هإدأ الرعب في صدريأ ‪ ،‬وأعدت إلى عملي حتى إذا أكملت أنشأت أنظر إلى البوأمة بإمعان ‪ ،‬كانت ما‬
‫تزال على وأضعها الوأل وأكان ضوأء القنابل المباغت يعطي لعيوأنها ظللا مرعباة ‪ ،‬وأبدت لي أنها‬
‫مصرة على وأقوأفها المتحديأ ‪ ،‬وأأنها سوأفا تبقى رغم كل الرصاص وأالموأت‪.‬‬

‫عدت أدراجي إلى البيت ببطء وأهإدوأء فلقد زايلني كل خوأفا كنت أحسه قبل أن أراهإا ‪ ..‬ثام لم املك إل‬
‫أن أتوأقفا هإنيهة وأأعوأد إلى النظر إليها ‪ ،‬كانت ما تزال تحرك رأسها المفلطح بتحذير إنساني عميق‬
‫‪ ،‬وأعلى إماضة قنبلة بعيدة ‪ ،‬شاهإدت في عينيها ذلك التحديأ الباسل ‪ ،‬الخائفا بعض الشيء ‪،‬‬
‫وألكن الصامد لضغط لحظة اختيار وأاحدة بين الفرار وأالموأت ‪.‬‬

‫***‬
‫وأأوأشك الصبح أن يطلع وأأنا في وأقفتي أمام الصوأرة الملوأنة الملصوأقة على الحائط العاريأ ‪ ..‬لقد‬
‫أنهكتني الذكرى وألكني أحسست بارتياح غريب فجأة ‪ ،‬فهأنذا ألتقي بالبوأمة الغاضبة بعد غيبة‬
‫طوأيلة ! وأأين ؟ في غرفة منعزلة مترامية تتنفس بوأحدة مقيتة ‪ ،‬بعيدا عن قريتي التي كانت تعبق‬
‫برائحة البطوألت وأالموأت ‪ ،‬وأكانت البوأمة ل تزال ملصوأقة على الحائط تحدق في ‪ ،‬عبر زمن متباعد‬
‫وأينحدر منقارهإا المعقوأفا صرير حاد ‪:‬‬
‫‪ -‬آيه أيها المسكين ‪ ..‬هإل تذكرتني الن ؟؟ !‬

‫الكوأيت ‪1959 -‬‬

‫شيء ل يذهإب‬

‫القطار اللهإث يصعد الطريق الجميل إلى طهران ‪ ...‬قال لنا مفتش القطار قبل ان نغادر عبدان أن‬
‫علينا أن نحرس أنفسنا‪ ،‬فالطريق طوأيل‪ ،‬وأاللصوأص ينتهزوأن فرصة حلوأل الليل‪ ..‬كي يمارسوأا‬
‫طريقتهم الخاصة في الحياة ‪..‬‬
‫قررت أن ل أنام ‪..‬فثامة كتاب ملوأن أستطيع أن أقرأه في الليل ‪ ...‬كتاب ألفه إنسان كان يحس أكثار‬
‫من اللزم ‪ ،‬وأيفهم أكثار من اللزم ‪ ...‬وأمقصوأرتي في القطار متوأاضعة ‪ ..‬ايرانية جميلة تجلس في‬
‫المقعد المقابل تفحصني كي تستكشفا في اللص ‪ ،‬لم تطمئن إلي بعد ‪ ...‬وأعجوأز ‪ ،‬قد يكوأن أباهإا ‪،‬‬
‫سقط في النوأم قبل أن يخفق القطار بالرحلة الطوأيلة ‪ ...‬وأصديق هإادئ يجلس إلى جانبي يستعرض‬
‫الطريق ‪ ..‬أحسن ما في هإذا الصديق أنه ل يثارثار ‪ ،‬إوأاذا تكلم ‪ ...‬فاللغة العربية ‪..‬‬
‫أحسن طريقة كي أحرس نفسي وأمن معي ‪ ،‬كما أوأصانا المفتش السمين الذيأ يعرفا سبع كلمات‬
‫عربية ‪ ،‬أن ل أنام ‪ ...‬لقد أبدى المفتش السمين قلقه علي ‪ ...‬فأنا نحيل ذوأ وأجه اصفر قد ل‬
‫أستطيع أن أسهر ‪ ..‬وألكنني قلت له إنني استطيع ‪ ..‬وألم افهم نكتته اليرانية التي ضحك لها طوأيلا‬
‫وأهإوأ يغمز مشيرا إلى الحسناء ‪ ..‬بينما احمر وأجه الخيرة ‪ ..‬وأصعدت القاطرة مع وأالدهإا العجوأز ‪..‬‬
‫قال لي صديقي ان وأجه اليرانية ل يعجبه بتات ا ‪ ..‬وأأنها تشبه الدكتوأر مصدق ‪ ..‬الذيأ لوأ كان امرأة‬
‫لما كان بديعا قط‪ ...‬وأهإكذا اعتقد صديقي أنه إذا سنح له الحديث مع الحسناء فسيكوأن سيد‬
‫الفرصة بل غريم ‪ ...‬بعد ان اطمأن إلى أنه اقنعني بملحظته ‪...‬‬
‫كنت في الحقيقة لأرغب في الكلم ‪ ..‬كان الكتاب بديعا ‪ ..‬طباعته انيقة ‪ ،‬وأصوأره فذة ‪ ..‬وأكلماته‬
‫ليست سوأى غطاء بئر سحيق ‪ ،‬إذا ما تمكنت من رفعه ‪ ،‬فسوأفا لن ترى القاع البعيد مطلق ا ‪..‬‬
‫كان الكتاب يحمل اسم عمر الخيام ‪..‬‬
‫وأقيمته بالنسبة لي هإي أنه أشير مره إلى رباعية فيع بالقلم الرصاص ‪ ..‬وأضعتها الفتاة التي‬
‫أحببتها ‪ ..‬الرباعية تقوأل ‪:‬‬
‫" آه أيها الحب ‪ ..‬لوأ أستطيع أنا وأأنت أن نتفق مع القدر ‪ ..‬كي ندمر هإذا الطابع الوأحيد للعالم ‪..‬‬
‫إلى قطع صغيرة صغيرة ‪..‬‬
‫ثام نعيد بناءه من جديد ‪ ..‬كما تشتهي قلوأبنا ‪"..‬‬
‫فتحت على تلك الصفحة دوأن أن أشعر ‪ ..‬فرائحة الطريق الطوأيل بدت مثايرة ‪ ..‬كانت الدائرة‬
‫المرسوأمة حوأل الرباعية بالقلم الرصاص تكاد ان تختفي ‪ .‬لقد مرت سنوأات ثامان على اليوأم الذيأ‬
‫رسمت فيه هإذه الدائرة ‪ ..‬وأرغم ذلك فأنا لن انساهإا مطلقا ‪..‬‬
‫ل أريد أن أنام في القاطرة ‪ ..‬ل لحرس نفسي‪ ..‬بل لستعيد اللحظات الضبابية لما حدث قبل ثامان‬
‫سنوأات‪ ..‬لقد بدأت العتمة تهبط ‪ ..‬وأبدا لوأهإلة ان صوأت العجلت المنتظمة ‪ ..‬موأسيقى غريبة تدفع‬
‫بهذا الراس المرهإق ‪ ..‬إلى الماضي ‪..‬‬
‫***‬
‫اطمأنت اليرانية الحسناء أخي ار إلى أنني لست لصا ‪ ،‬أوأ لست لصا خطي ار على القل ‪ ..‬فاستسلمت‬
‫لففاءة قلقة ‪ ..‬وأبقي صديقي يحدق في الطريق المعتم دوأن أن يكفا عن التحديق في الحسن النائم‬
‫أيضا ‪..‬‬
‫كانت ليلى تطلب مني أل انظر إليها عندما تنام ‪ ..‬كانت تعتقد أن تقاطيع وأجهها تكوأن صادقة‬
‫عندما تفقد التحكم بها ‪ ..‬وأهإي ل تريد أن أعرفا شعوأرهإا الحقيقي تجاهإي ‪ ..‬تخافا أن أصبح‬
‫مغروأرا ‪..‬‬
‫لم يكن اسمها ليلى ‪ ..‬كنت ادعوأهإا ليلى لنها كانت تدعوأني ) قيسا ( ‪..‬‬
‫دارنا في حيفا لم تكن بعيدة عن دارهإا كثاي ار ‪ ..‬خلفا أوأل منعطفا يقع على يمين دارنا ‪ ،‬ليس عليك‬
‫سوأى أن تعد أربعة أبوأاب ثام تصعد بناية بيضاء إلى الطابق الثاالث ‪ ،‬فستجد بيت ليلى ل محالة ‪..‬‬
‫إذا لم تكن هإذه البناية قد تهدمت بعد قصفا حيفا ‪ ،‬فل شك أن ليلى ما زالت تسكن هإناك ‪..‬‬
‫لقد خرجت من حيفا قبل أن تسقط في يد اليهوأد ‪ ..‬وألم امسك بندقية في حياتي قط ‪ ..‬كان الشارع‬
‫الطوأيل الذيأ ينصب فيه شارعنا هإوأ ميداني الوأحيد ‪ ..‬كنت مشهوأ ار في ذلك الشارع بأنني احدى‬
‫علماته ‪ ،‬وأكان شباب حينا يقوألوأن ‪ " :‬إذا اردت ان ترى خيريأ ‪ ،‬ففتش على اجمل فتاة في الشارع‬
‫تجده خلفها ‪".‬‬
‫قالت لي ليلى لعد أن تعرفت عليها جيدا ا ‪ :‬أنت رجل مائع يا خيريأ ‪ ..‬وألكنك لست هإكذا في حقيقتك‬
‫‪ ..‬وألهذا أعتقد انني ساحبك ‪.‬‬
‫كانت ليلى من نوأع آخر ‪ ..‬وألكنني لم اكن اعرفا ذلك في أيام تعارفنا ‪ ..‬كنت أعرفا أنها تخفي شيئا‬
‫ما ‪ ..‬وألكنني لم أكن اعلم ان تلك الفتاة الناعمة ‪..‬كانت تقوأم بعمليات نسفا ‪ ،‬يعجز عن تصوأرهإا‬
‫رجل متوأسط الشجاعة ‪ .‬وألم تقل لي ذلك مطلق ا إل بعد الحادث المؤؤوأم الذيأ وأقع ‪.‬‬
‫في الحقيقة ‪ ،‬انني لم اكن أعرفا من هإوأ عمر الخيام ‪ ،‬وأهإي التي علمتني عنه اشياء كثايرة ‪ ..‬كنت‬
‫اعجب بصوأر كتابه أكثار من اعجابي برباعيته التي كنت اعتقد أنها هإذيان إنسان مريض بنزلة‬
‫صدرية حادة ‪..‬‬
‫الحب العنيفا ‪ ،‬الذيأ كانت تسميه دوأامة تغوأص في مستنقع ‪ ،‬لم يستطع ان ينسيها القضية ‪ ..‬بل‬
‫كانت تتعذب في سبيل أن تفهمني أن حياتنا ليست شيئا ‪ ..‬وأانها تبلغ ذروأة قيمتها لوأ قدمت من‬
‫اجل سعادة آلفا عيرنا ‪...‬‬
‫وأعندما فهمت أوأل رباعية من رباعيات الخيام ‪ ،‬قلت لليلى إن هإذا الرجل إنسان انهزامي ‪ ..‬كنت‬
‫سعيد ا بهذا الكتشافا ‪ ،‬وأقلت في ذات نفسي يوأمها أن ليلى ستكوأن فخوأرة بي ‪ ...‬وألكنها لم تقم‬
‫بما يدل على انها فخوأرة ‪ ..‬قالت لي وأهإي تشير إلى الكتاب ‪ " :‬النسان الذيأ يحس أكثار من اللزم‬
‫‪ ،‬خير من النسان الذيأ ل يحس بالمره ‪" ...‬‬
‫هإذا " النسان الذيأ ل يحس بالمره " استطعت أن افهم مؤخ ار انه انا ‪ ..‬وألم أغضب يوأم أكتشفت‬
‫ذلك ‪ ..‬إذ كانت قصتي مع ليلى قد انتهت يوأمذاك ‪.‬‬
‫ض‪:‬‬
‫لكن ليلى تغيرت فيما بعد ‪ ..‬إذ انه في الوأقت الذيأ كان يناضل فيه بعض الناس ‪ ،‬وأيتفرج " بع ض‬
‫آخر ‪ ،‬كان هإنالك " بعض " أخير يقوأم بدوأر الخائن ‪..‬‬
‫وأبوأاسطة هإذا النوأع الخير من الناس ‪ ،‬قبض اليهوأد على ليلى وأهإي تحاوأل القيام بعمل لم اتمكن‬
‫من معرفته قط ‪ .‬وأعادت بعد تسعة ايام كاملة ‪ ..‬وألم تستطع أن تحفظ حياتها إل بعد مجموأعة ل‬
‫أحد يدريأ كيفا حدثات ‪..‬‬
‫اللحظة التي قابلتها فيها بعد عوأدتها من "‪ :‬الهادار " لم تزل راسخة في ذهإني ‪ ..‬كنت اتوأقع أن‬
‫اراهإا تبكي ‪ ،‬أوأ ترتجفا ‪ ..‬إذ كنت قد سمعت من أفوأاه كثايرة قصص الليالي الفظيعة التي امضتها‬
‫في السجن ‪ ..‬وألكنني عندما رايتها كانت هإادئة هإدوأءا مخيفا ‪ ..‬لم يعد في عينيها أيأ بريق ‪ ..‬فقط‬
‫وأجه حزين صامت ‪.‬‬
‫قالت لي بصوأت منخفا هإادئ ‪:‬‬
‫‪ -‬لقد ضاجعوأني طوأال تسعة ايام ‪..‬‬
‫لم استطع أن اقوأل شيئ ا ‪ ..‬بل لقد خيل إلي أنها قالت ‪ " :‬لقد كنت اصلي طوأال تسعة ايام " ‪..‬‬
‫شعرت أن الكلمة التي يمكن أن أوأاسيها بها شيء حقير ‪ ..‬ل قرار لحقارتها أبدا ‪ ..‬وأانتشلت‬
‫الموأقفا بكلمة أخرى ‪:‬‬
‫‪ -‬يحسن بك أن تتركني ‪ ..‬انا امرأة مهترئة ‪..‬‬
‫***‬
‫كان القطار قد وأصل إلى محطة تقع في ثالث الطريق ‪ ..‬وأبدأ يئز أزيزا مزعج ا كي يقفا ‪ ..‬صحت‬
‫اليرانية الحسناء وأبدأت تتزين من جديد ‪ ،‬ما زال العجوأزنائم ا ‪ ،‬وأصديقي يحدق بالطريق لقد مرت‬
‫امامي أشجار صغيرة ‪ ...‬ثام بدأ رصيفا المحطة مضاء بانوأار باهإتة ينسحب امام النافذة ‪...‬‬
‫على الرصيفا لمحت طفلا في السابعة من عمره تقريبا ‪ ،‬كانت ملبسه ممزقة ‪ ،‬وألكنها نظيفة ‪..‬‬
‫كان يعد القاطرات باصبعه وأهإي تمر من امامه ببطء ‪ .‬كان يعد باللغة العربية ‪..‬‬
‫أشار صديقي إلى الطفل ‪ ...‬وأاصغينا سوأية إلى صوأته الدقيق ‪.‬‬
‫‪ -‬ستة ‪ ..‬سبعة ‪ ..‬ثامانية ‪..‬‬
‫هإز صديقي رأسه وأقال باقتضاب ‪:‬‬
‫‪ -‬عربستان ‪...‬‬
‫وأتاسفا قليلا ‪ ،‬ثام هإبط من القاطرة يبحث عن طعام ‪.‬‬
‫الطفل السمر جميل الطلعة ‪ ..‬كان يبيع أشياء للتسلية ‪ ،‬وألكنه بدا أنه نسي وأظيفته وأهإوأ يراقب‬
‫القطار الطوأيل ‪ ..‬وأكان يبدوأ منهك ا ‪ ..‬استدعيته إلى نافذتي وأسالته بالعربية ‪:‬‬
‫‪ -‬ماذا تبيع ؟‪..‬‬
‫قال وأهإوأ يتسلق النافذة ‪:‬‬
‫‪ -‬وأأنا عربي أيضا ‪..‬‬
‫‪ -‬ماذا يشتغل وأالدك ؟‬
‫‪ -‬إنه يبيع الصحفا ‪ .‬هإناك ‪..‬‬
‫***‬
‫بدا القطار يخفق من جديد ‪ ...‬الطعام الذيأ أحضره صديقي لي ‪ ،‬اكلته اليرانية ‪ ،‬لم اكن أرغب في‬
‫الكل ‪ ...‬كان الكتاب مازال مفتوأحا على الراعية التي يلفها خط يكاد يختفي بالقلم الرصاص ‪.‬‬
‫وأقرأت الراعية من جديد ‪ ،‬وأبصوأت عالي جعل اليرانية تتوأقفا على المضغ ‪:‬‬
‫" آه أيها الحب ‪ ،‬لوأ استطيع انا وأأنت أن نتفق مع القدر على تدمير هإذا الطابع البائس الوأحيد‬
‫للعالم إلى قطع صغيرة صغيرة ‪ ..‬ثام نعيد بناوأءه من جديد كما تشتهي قلوأبنا ‪" ..‬‬
‫لم أكن قد استحق ليلى ‪ ..‬كانت احسن مني بكثاير ‪ ،‬كنت جبانا ‪ ،‬اخافا من الموأت ‪ ...‬وأرفضت ان‬
‫احمل سلحا كي ادافع عن حيفا ‪ ..‬كنت في رأس الناقوأرة عندما قالوأا ان حيفا سقطت في يد اليهوأد‬
‫‪ ،‬وأل أدريأ لماذا تذكرت لحظتذاك جملة قالتها ليلى قبل ان أغادر حيفا ‪:‬‬
‫‪ -‬إنني ل استطيع أن أنس التسعة أيام القاسية ‪ ..‬وألكتي أريد أن استمر في ‪ ..‬الدفاع عن حيفا ‪..‬‬
‫انا أعرفا أنني قدمت شيئ ا أكثار من حياتي ‪ ..‬وألكنني اريد أن اقدم حياتي نفسها فهذا افضل ‪.‬‬
‫باستطاعتك أن تغادر حيفا ‪ ،‬أن تهرب من حيفا ‪ ..‬وألكنك يوأم سياتي لبد من ان تصحوأ ‪..‬‬
‫وأتكتشفا ‪ ..‬وأتندم ‪..‬‬
‫ليلى الحزينة ‪ ..‬البائسة ‪ ...‬بقيت في حيفا وأرفضت ان تخرج منها ‪ ..‬وأقالت لجيرانها عندما اتوأا‬
‫ليجروأهإا معهم أنها فقدت كل شيء وأل تريد أن تفقد ماضيها الجميل في حيفا الجميلة ‪ ...‬تريد أن‬
‫يبقى لها شيء ل يذهإب ‪...‬‬
‫لقد مضى زمن طوأيل على اليوأم الذيأ خرجت فيه من حيفا ‪ ..‬وأاشعر اليوأم أنني لم أكن أستحق ليلى‬
‫مطلقا ‪ ..‬بل لم أكن أستحق حيفا نفسها ‪ ..‬لماذا اهإتمت هإذه النسانة النبيلة بإنسان جبان مثالي‬
‫؟‪ ..‬لماذا تلحقني هإذه النسانة الرائعة طوأال ثاماني سنوأات ؟ لماذا تلح على رأسي كما تلح صفارة‬
‫القطار قبل أن يدوأر حوأل المنعطفا ؟‬
‫***‬
‫صحا العجوأز من نوأمه الطوأيل ‪ ..‬وأحدق بعيوأن ضيقة كانها شقوأق ارض جافة بانحاء القاطرة ‪..‬‬
‫وأابتسم في وأجهي ثام هإتفا بعربية مكسرة وأهإوأ يشير إلى الكتاب الملقي على ركبتي ‪:‬‬
‫‪ -‬عمر الخيام ؟‬
‫هإززت برأسي وأتركته يلتقط الكتاب وأيتفرج على صوأره ‪..‬‬
‫كان رفاقي يتهموأنني دائم ا بانني من عشاق الخيالت ‪ .‬وأعندما قلت لهم وأأنا في الكوأيت أنني أريد‬
‫أن أذهإب ليران كي أضع باقة وأرد على قبر الخيام ‪ ..‬ضحكوأا جميعهم وأقالوأا ‪:‬‬
‫‪ " -‬إنه يريد أن يعيش تجربة عنيفة يوأهإم نفسه فيها أنه يحب ! "‬
‫شعرت بانني انسان ل يعيش على أرضه ‪ ،‬وأبدا لي في لحظة أن ماضي شيء مخجل في الحقيقة ‪..‬‬
‫ثاماني صنوأات اجتر ذكرى ليلى كانها إنسانة صنعتها فقط لذكرهإا ‪ ..‬تراهإا كانت موأجوأدة خقا إنسانة‬
‫اسمها ليلى ؟ أم أنني صنعتها ثام صدقتها ؟‬
‫فتح صديقي نافذة القاطرة ‪ ..‬فصفع وأجهي هإوأاء بارد ‪ ،‬وأشعرت باللحظة نفسها ان ليلى ل يهمها‬
‫مطلق ا أن أضع باقة وأرد سخيفة على قبر عمر الخيام ‪ ..‬كي اوأهإم نفسي بانني ضحية حب عنيفا‬
‫‪..‬‬
‫لماذا أصر على الحتفاظ بكتاب الخيام ؟ إن أحدا ل يعرفا الحقيقة ‪ ..‬تراني أريد من الكتاب أن يوأهإم‬
‫الخرين بأنني مازلت مرتبط ا بحيفا ؟‬
‫أعاد العجوأز كتاب عمر الخيام شاكرا ‪ ،‬وأحينما سقط الكتاب على ركبتي انفتحت صفحاته على‬
‫الرباعية المحاطة بالخط الباهإت لقلم رصاص قديم ‪..‬‬
‫" لم تستطع ليلى ان تغيرني ‪ " ..‬شعرت هإذا بوأضوأح الن ‪ ..‬انسان ل فائدة منه ‪ .‬هإذا كل شيء ‪...‬‬
‫باقة وأرد على ضريح انسان ميت ‪ ..‬شيء يذهإب ‪ ،‬لقد قالت لهم أنها تريد أن يبقى لها شيء ل‬
‫يذهإب ‪..‬‬
‫أزت العجلت وأهإي تدوأر حوأل منعطفا وأاسع ‪ ،‬وأصفر القطار ‪ ..‬ثامة مقبرة في الفق ‪ ،‬وأشوأاهإد‬
‫القبوأر البيضاء مغروأسة في التراب كالقدر ‪ ..‬باردة ‪ ،‬قاسية ‪ ،‬وأل تذبل ‪ ..‬ترى هإل يوأجد فوأق قبرهإا‬
‫رخامة ؟‬

‫دمشق ‪1958‬‬

‫منتصفا آيار‬

‫عزيزيأ ابراهإيم‬
‫لست أدريأ لمن سوأفا أرسل هإذه الرسالة ‪ .‬لقد كان عهديأ لك ان أحمل إلى قبرك في كل منتصفا‬
‫آيار بعض ازهإار الحنوأن ‪ ،‬فأنثارهإا فوأقه ‪ ..‬وأهإا قد وأصل منتصفا آيار دوأن أن أجد وألوأ زهإرة حنوأن‬
‫وأاحدة‪ ..‬وألوأ وأجدتها‪ ..‬فكيفا لي أن أصل إلى قبرك كي أعطيكها ؟ ‪ ..‬لقد مضت اثانتا عشرة سنة‪..‬‬
‫وأأعتقد أنك بعدت كثاي ار عن كل شيء‪ ..‬فكما أنت تغوأر إلى أعماق الرض وأتتفتت‪ ،‬فأنت أيضا تغوأر‬
‫في ذاكرتنا‪ ،‬وأتتلشى ملمحك‪ ،‬حتى ملمحك‪ ،‬لم أعد أذكرهإا جيداا‪ ..‬أما صوأتك فلست أعرفا كيفا‬
‫كان ‪ ..‬عيوأنك ‪ ،‬لم أعد أذكر كيفا كان بريقها ‪ ..‬وأيصعب علي كثايرا أن أتصوأر حركتك‪ ..‬كل الذيأ‬
‫بقي منك في ذهإني ‪ .‬جسد جامد ‪ ..‬كفاه فوأق صدره ‪ ..‬وأخيط رفيع من الدم يصل بين شفتيه وأأذنه‬
‫‪ ،‬وأأذكر _ بوأضوأح هإنا _ كيفا حملوأك وأألقوأك في الحفرة بملبسك كلها ‪ ..‬ثام أهإالوأا التراب‪ ،‬بينما‬
‫مزق صموأد رفاقك صوأت نحيب مجروأح أخذ يعلوأ خلفنا شيئا فشيئاا‪ ،‬ثام يصمت‪...‬‬
‫وأالسؤال الن هإوأ‪ :‬لماذا اكتب لك ؟‪ ..‬ألم يكن الجدر بي ‪ ،‬وأقد فشلت في حمل أزهإار الحنوأن الى‬
‫قبرك ‪ ..‬أن استمر في الصمت الذيأ بدأ منذ اثانى عشرة سنة ؟ يبدوأ أنه من المستحيل ان استمر‬
‫في صمتي ‪ ...‬ان منتصفا آيار يضغط على صدريأ وأكأنه قدر مجنوأن ‪ ،‬اخطأ ذات مرة ‪ ..‬فقتلك‬
‫بدل أن يقتلني‪..‬‬
‫إن خيوأط القصة بدأت تنحل في رأسي ‪ ..‬وأاخشى أن أنساهإا ‪ ..‬هإل تصدق ؟‪ .‬إني _ حقا _ اخشى‬
‫ان أنساهإا ! وأربما نسيتها أنت ‪ ..‬فما الذيأ يعني منها الن ؟‪ ...‬وألكني أريد أن اساعدك ‪ ،‬وأأساعد‬
‫نفسي في نسج خيوأطها من جديد ‪.‬‬
‫معظم القصص ليس لها بداية ‪ ..‬وألكن الغريب ان قصتنا مع ا لها بداية وأاضحة ‪ ..‬بل أكاد أقسم أن‬
‫بدايتها من الوأضوأح بحيث تستطيع أن تعتبرهإا فصلا مستقلا عن جريان بقية أحداث حياتنا ‪..‬‬
‫كان الوأقت بعيد العصر بقليل‪ ،‬وأقد وأقفنا _ انت وأأنا _ إلى جانب الحجر الكبير الذيأ كان يشكل‬
‫مقعدا أمام بيت جدك‪ ...‬كنا بدأنا التعلم على استعمال السلحة ‪ ..‬وأحتى تلك اللحظة ‪ ،‬كانت أهإدافنا‬
‫علب الطعمة المحفوأظة الفارغة ‪ ..‬وأصفائح الزيت العتيقة ‪ .‬إوأاذا لم تني ذاكرتي استطيع أن أقوأل‬
‫أننا استعملنا " ضوأء الكاز " كهدفا لرصاصنا مرتين أوأ ثالثاة ‪.‬‬
‫كان الوأقت عصرا ‪ ..‬نعم ‪ ،‬سوأفا اؤكد على هإذا مرة اخرى لن الصوأرة ل يمكن أن تكتمل عناصرهإا‬
‫إل إذا دخل إليها ضوأء العصر ‪ ..‬لقد وأقفنا إلى جانب الحجر الكبير ‪ ،‬ثام سمعت صوأتك ‪:‬‬
‫‪ -‬ألست تريد النتقام ؟‬
‫وأتبعت سؤالك سلسلة من الضحكات القصيرة قبل أن أسأل بدوأريأ ‪:‬‬
‫‪ " -‬مم " ؟‬
‫وأرفعت اصبعك تجاه الحائط المقابل ‪ ..‬وأأشرت إلى شيء ما ثام قلت وأالضحكة ما زالت تمسح كلماتك‬
‫‪:‬‬
‫‪ -‬من القط الذيأ سرق زوأج حمام من البرج ‪..‬‬
‫وأضحكت انا الخر ‪ ..‬وأتذكرت كيفا استطاع هإذا القط الملعوأن أن يصل إلى برج الحمام في الحديقة‬
‫في ليلتين متتاليتين وأيسرق منه زوأج ا من أجوأد الحمام الذيأ يحرص جديأ‪ ،‬وأنحن‪ ،‬على‬
‫تربيته‪..‬وأقبل أن اصل إلى قرار سمعتك مرة اخرى‪..‬‬
‫‪ -‬سوأفا أقتله أنا إذا خانتك شجاعتك ‪..‬‬
‫وأرفعت بندقيتك إلى كتفك ‪ ..‬وأاطلقتها ‪ ،‬وأمن خلل الدخان ذيأ الرائحة الغريبة ‪ ،‬شاهإدنا القط‬
‫المسكين يقفز مذعوأ ار إلى الوأراء ‪ ..‬ثام يطلق ساقيه للريح إلى سوأر الحديقة المجاوأرة‪ ،‬وأيقفا فوأقه‬
‫متحفزا يحدق بعين مدهإوأشة إلى حيث خدشت الرصاصة جزء ا من الحائط العتيق‪ ..‬لست ادريأ أيأ‬
‫شيطان جعلني أهإتفا‪:‬‬
‫‪ -‬أخطأته ‪ ..‬سوأفا أجرب حظي ‪..‬‬
‫إنني أذكر كيفا صوأبت إلى رأسه‪ ..‬وأحينما رأيته مقعي ا على الصوأر من خلل انفراج علمة‬
‫التصوأيب في مقدمة بندقيتي‪ ،‬شعرت برجفة‪ ..‬وأاضطرب التصوأيب لفترة‪ ..‬كانت عيوأنه تحدق _‬
‫ماتزال _ حوأاليه بجزع وأدهإشة‪ ..‬بينما أخذ ذيله يضرب الرض بانتظام‪ ،‬وأأذناه تنتصبان وأتميلن‬
‫بحثا ا عن الخطر‪ ..‬وأفي لحظة ثاانية رايته في منتصفا علمة التصوأيب‪ ..‬فضغطت الزناد ‪ ..‬لقد‬
‫لطمته الرصاصة في وأجهه ‪ ..‬فانقلب وأتشنجت أرجله في الهوأاء تتحرك راجفة ‪ ..‬ثام هإوأى إلى جنبه‬
‫وأاخذ الدم يتدفق ‪..‬‬
‫وأقدتني إليه‪ ،‬وأقلبته بمقدمة سلحك‪ ..‬وأهإتفت ‪..‬‬
‫‪ -‬إصابة رائعة ‪ ..‬في منتصفا رأسه ‪ ..‬لقد قطعت سلسلة أفكاره ‪..‬‬
‫وألكني كنت قد بدأت اتقيأ‪ ..‬ثام لزمت الفراش أكثار من أسبوأعين ‪..‬‬
‫حينما زرتني انت بعد فترة ‪ ..‬سألتني ضاحك ا‬
‫‪ -‬ماذا ؟ القط المنقط اللص ‪ ..‬يجعلك تذوأيأ هإكذا ؟ ‪ .‬شيء مضحك ! ‪ .‬ألم تعد نفسك لخوأض‬
‫معارك تقتل فيها رجالا ل قطط ا ؟‬
‫شعرت بالعار ‪ ..‬لست أدريأ كيفا تكوأنت الكذبة تلك الساعة ‪.‬‬
‫‪ -‬القطط ؟ انت مجنوأن ‪ ..‬لقد كنت أقتل قططا بالحجارة وأانا طفل ؟‪ ..‬كل ما هإنالك أن كتفا البندقية‬
‫انزلق بعد الطلق ‪ ،‬فلمس حلقي ‪ ..‬وأهإذا هإوأ السبب الذيأ جعلني أتقيأ‪ .‬ثام إني كنت مريض ا من‬
‫قبل‪..‬‬
‫هإل انطلت عليك الكدبة ؟ لست ادريأ إلى الن ‪ ..‬وألكن الذيأ طمانني يوأمها ‪ ،‬أنك عدت إلي في‬
‫المساء ‪ ..‬وأهإمست في أذني أن أعد نفسي لهجوأم ما ‪ ..‬خلل يوأمين‪..‬‬
‫وأفي السيارة التي حملتنا إلى المستعمرة المجاوأرة ‪ ..‬كنت تغني كالعادة ‪ ..‬بينما ما أزال أعاني من‬
‫وأطأة الحادث ‪ ..‬وألكزتني فجأة ملفت ا نظريأ إلى الحقل وأقد بدأ آيار يعطيها لوأن حياة جديدة‪:‬‬
‫‪ -‬هإذا الحنوأن ‪ ..‬لقد كنا نفتش داخله عن حشرات ملوأنة لطيفة‪ ..‬وأكنا نقطع ألفا زهإرة حنوأن‬
‫حمراء كي نجد حشرة وأاحدة ‪ ..‬يا سلم ‪ ..‬سوأفا ‪ ..‬أكوأن سعيد ا لوأ عاهإدتني على أن تحمل إلى‬
‫قبريأ في كل آيار باقة حنوأن ‪ ..‬اتعاهإدني ؟‪..‬‬
‫‪ -‬أنت سخيفا‪ .‬وألكن إذا كان عهديأ سوأفا يسكتك فأنني أعاهإدك ‪..‬‬
‫ماتت الضحكة على شفتي‪ ،‬وأضممت بندقيتك إلى صدرك‪ ،‬وأقلت بصوأت وأاه‪ ،‬لكنه عميق‪:‬‬
‫‪ -‬شكرا ‪...‬‬
‫لقد نزلنا‪ ،‬عند الظهر‪ ،‬في حقوأل المستعمرة‪ ..‬كانت الخطة جريئة وألكنها ممكنة ‪ ..‬إحتلل البيوأت‬
‫المتطرفة من المستعمرة ثام نسفها‪ ..‬وأالعوأدة إلى بلدتنا من جديد ‪...‬‬
‫وألكن الذيأ حدث كان غير ذلك ‪ ..‬لقد فاجأنا اليهوأد في حقوألهم‪ ،‬وأنشبت معركة ضارية‪ ..‬كنت إلى‬
‫جانبك ‪ ..‬وأكنت اطلق نيران سلحي كيفما اتفق ‪ ،‬فلسنا نرى احدا نصوأب عليه ‪ ..‬وأكنا – خلل ذلك‬
‫– نستمر في الزحفا بين الشوأاك وأالزرع ‪ ..‬هإل كنت خائف ا يوأمها ؟ لست أذكر الن ‪ ..‬وألكن ذلك‬
‫اليهوأديأ الذيأ انتصب امامنا وأاقف ا حين فجأة‪ ،‬شل تفكيريأ‪ ..‬كان يحمل قنبلة يدوأية ألقاهإا فوأقنا ‪..‬‬
‫وأسمعت صوأتك وأالدخان يكاد يعمينا ‪:‬‬
‫‪ -‬أقتله ‪ ..‬لقد علق رصاص مشطي ‪...‬‬
‫‪ -‬وأانجلى الدخان ‪ ..‬كان ما يزال وأاقفا يحمل قنبلة ثاانية وأيفتش بين الزرع عنا ‪ ..‬وأرايته من خلل‬
‫علمة التوأصيب يقفا هإناك ‪ ..‬بعيوأن مذعوأرة ‪ ..‬مرت لحظات دوأن أن يستطيع أصبعي شد الزناد‬
‫‪ ..‬كنت أرتجفا ‪ ..‬وأبقي الهدفا وأاقف ا في منطقة تصوأيبي ‪ ..‬كنت اشاهإده من خلل اداة التصوأيب‬
‫‪ ..‬وأمن خلل هإذه الداة ‪ ،‬شاهإدته يكتشفك ‪ ..‬وأيلقي فوأقك بقنبلته الثاانية وأيوألي الدبار ‪..‬‬
‫وأهإكذا أرجعناك إلى بلدتنا حيث دفنوأك بكامل ملبسك كما يجب ان يدفن الشهداء ‪ ..‬وأكانت امك‬
‫تبكي خلفا رفاقك ‪ ...‬بينما أخذت أنا – في غمرة عاريأ – ازرع التراب النديأ باقة حنوأن جمعناهإا‬
‫في طريق عوأدتنا ‪.‬‬
‫لقد مر اثانا عشر عام ا على ذلك اليوأم ‪ ...‬وأانا ملحق من عاريأ ‪ ..‬كل آيار يثاقل صدريأ ككابوأس ل‬
‫يرحم ‪..‬‬
‫وأالسؤال الذيأ يجأر في راسي ‪ ..‬هإوأ‪ :‬لماذا أذكرك الن‪ ..‬وأأكتب لك ‪ ..‬أما كان الجدر بي أن استمر‬
‫في صمتي ؟؟‬
‫كل ‪ ..‬أني ل أستطيع ‪ ..‬اليام تمر ‪ ..‬وأانت تغوأر في الرمل ‪ ..‬وأأخشى أن أنساك‪ ..‬إني ل أريد أن‬
‫انسى ‪ ،‬رغم كل العذاب الذيأ يحمله التذكر ‪ ..‬فقد يستطيع هإذا العذاب أن يجعلني أحس يوأم ا بمدى‬
‫ما هإوأ ضروأريأ أن اعوأد إلى قبرك ‪ ..‬فأنثار فوأقه بعض أزهإار الحنوأن ‪..‬‬
‫لست أعرفا مبلغ تطوأريأ الن ‪ ..‬هإل أستطيع أن أقتل يهوأدي ا دوأن أن أرتجفا ؟ لقد كبرت ‪..‬‬
‫وأجعلتني الخيمة أشد خشوأنة ‪ ..‬وألكن كل هإذا ل يعطيني يقينا ‪..‬‬
‫يقيني الوأحيد ‪ ..‬هإوأ اني أشعر بالعار ملتصقا بي حتى عظمي ‪ ..‬هإل يكفي هإذا ؟؟ اعتقد أنه يكفي‬
‫‪ ..‬فالقط الذيأ قتلته لم يفعل سوأى أنه سرق زوأج حمام يأكله‪ ..‬وأكان السبب هإوأ جوأعه حتماا‪ ...‬اما‬
‫الن فأنا بازاء جوأع آلفا من الرجال وأالنساء ‪ ..‬أقفا معهم أوأاجه لص ا سرق منا كل شيء ‪..‬‬
‫أيكوأن هإذا هإوأ السبب الذيأ جعلني انفك عن صمتي ‪ ..‬كي أزيد التصاقي بك ؟‪ ..‬سوأفا تغفر لي‬
‫اعترافي ‪ ..‬لقد اكتشفت انا – كما يجب أن تكوأن اكتشفت انت منذ بعيد – كم هإوأ ضروأريأ أن يموأت‬
‫بعض الناس ‪ ..‬من اجل أن يعيش البعض الخر ‪ ..‬انها حكمة قديمة ‪ ..‬اهإم ما فيها الن ‪ ..‬أنني‬
‫اعيشها ‪.‬‬

‫الكوأيت ‪1960‬‬

‫في جنازتي‬

‫أيتها الغالية‪...‬‬
‫لوأ أردت الحقيقة فأنا ل اعرفا ماذا يتعين عليي أن اكتب لك‪..‬كل الكلمات التي يمكن أن يخفقها قلم‬
‫مشتاق كتبتها لك عندما كنت هإناك‪ ,‬أما الن‪..‬فل شيء أستطيع أن ل أكرره على مسمعك‪ ..‬ماذا‬
‫أقوأل لك؟ أأقوأل كما يقوأل أيأ إنسان سوأيأ بان حبك يجريأ هإاد ار في دمي كطوأفان ل يلجم؟ كنت‬
‫أستطيع أن أقوأل لك ذلك لوأ كان هإذا الذيأ يجريأ في شراييني شيئا ذا قيمة‪ ..‬وألكنني في الحقيقة‬
‫إنسان مريض‪ ..‬فالدم الذيأ يحترق فيي ل قيمة له على الطلق‪ :‬فهوأ دم يليق بإنسان عجوأز‪,‬‬
‫نصفا ميت‪ ,‬نصفا ساكن‪ ,‬ليس في صدره سوأى صناديق الماضي المقفلة‪ ,‬أما مستقبله فمجرد‬
‫شمعة تضيء آخر لهبها كي تنطفئ‪ ,‬كي ينتهي كل شيء‪..‬‬
‫كنت اعتقد‪ ,‬أيتها الغالية‪ ,‬أن اليام حين تمر سوأفا تبلسم قليل من الجرح‪ ..‬وألكن يبدوأ لي الن‬
‫أنني اشتد تهاوأيا كشيء افرغ من تماسكه على حين فجأة فهوأ ل يعرفا ماذا يقيمه‪ .‬أن كل يوأم‬
‫يحفر في صموأديأ صدعا ل يعوأض‪.‬وأكل لحظة تصفع وأجهي بحقيقة أمر من حقيقة‪ ..‬اليوأم صباحا‬
‫صعدت الدرج راكضا وأحين أشرفت نهايته أحسست بقلبي ينشد على ضلوأعي وأيتوأتر حتى ليكاد‬
‫ينقطع‪..‬أيأ شباب هإذا؟ أيأ قيمة تبقى يا عزيزة؟ آية قيمة؟ لماذا أسير اكثار إلى المام؟ أيأ شيء‬
‫يلوأح كالشبح في ظلمة سوأادهإا أقتم من ضمير طاغية؟ أيأ شيء أفدته من حياتي كلها‪..‬نعم ؟ أيأ‬
‫شيء؟‬
‫وألكنني كنت أعيش من اجل غد ل خوأفا فيه‪..‬وأكنت أجوأع من اجل أن اشبع ذات يوأم‪ ..‬وأكنت أريد‬
‫أن اصل إلى هإذا الغد‪..‬لم يكن لحياتي يوأم ذاك أية قيمة سوأى ما يعطيها المل العميق الخضر بان‬
‫السماء ل يمكن أن تكوأن قاسية إلى ل حدوأد‪ ..‬وأبان هإذا الطفل‪ ,‬الذيأ تكسرت على شفتيه ابتسامة‬
‫الطمأنينة‪ ,‬سوأفا يمضي حياته هإكذا‪ ,‬ممزق ا كغيوأم تشرين‪ ,‬رماديا كأوأدية مترعة بالضباب‪ ,‬ضائعا‬
‫كشمس جاءت تشرق فلم تجد افقها‪..‬‬
‫وألكن السماء‪ ,‬وأالرض‪ ,‬وأكل شيء‪ ,‬كانوأا على شكل مغاير لمال صغيرة‪ ...‬لقد مضت قاسية‬
‫بطيئة‪ ..‬وأحين كبر تسلمته عائلته كي يعطيها اللقمة التي أعطته يوأم لم يكن يستطيع أن ينتزعها‬
‫بنفسه‪ ..‬المسؤوألية شيء جميل‪ ...‬وألكن الرجل الذيأ يوأاجه مسؤوألية ل يقدر على احتمالها تسلب‬
‫رجوألته شيئا فشيئا تحت ضغط الطلب‪...‬كل شيء في العالم كان يقفا في وأجهه‪...‬كل إنسان كان‬
‫يصفعه‪ ,‬وأكل يوأم يمر كان يبصق في وأجهه شعوأ ار م ار حاد المرارة بالتقصير‪.‬‬
‫وأرغم ذلك‪ ...‬كنت أقوأل لذات نفسي "اصبر‪ ،‬يا وألد‪ ،‬أنت ما زالت على أعتاب عمرك‪ ،‬وأغداا‪ ،‬وأبعد‬
‫غد‪ ،‬سوأفا تشرق شمس جديدة‪ ,‬الست تناضل الن من اجل ذلك المستقبل؟ سوأفا تفخر بأنك أنت‬
‫الذيأ صنعته بأظافرك‪ ,‬منذ اسه الوأل‪...‬إلى الخر" وأكان هإذا المل يبرر لي ألم يوأمي؛ وأكنت أحدق‬
‫إلى المام أدوأس على أشوأاك درب جافا كأنه طريق ضيق في مقبرة‪...‬‬
‫ثام حدث شيء جميل‪ ,‬لقد انشقت الغيوأم المتكوأمة عن ضوأء بعيد‪ ,‬تحررت قليل من ضغط الحاجة‪..‬‬
‫ثام‪ ..‬ثام تعرفت إليك‪..‬أتذكرين؟ لقد جمعتنا حفلة صغيرة‪ ,‬وأحين التقت عيوأني بعيوأنك أحسست‬
‫بمعوأل ينقض في صدريأ فيهدم كل المرارة التي اجترعتها طوأال طفوألتي‪ ...‬كان شعرك في أروأع‬
‫فوأضى‪ ,‬وأكانت عيوأنك مؤطرة بسوأاد آسر‪ ...‬لقد وأجدت نفسي أحدق إليك دوأن وأعي وأكتبت أنت عن‬
‫هإذه اللحظة في مذكراتك ـ التي قرأتها فيما بعد ـانك استلطفت هإذا البحار الذيأ يحدق كأنما يوأشك أن‬
‫يرمي مرساته في ميناء‪...‬‬
‫وأمرة بعد مرة كنت أراك فأرى نفسي اشد التصاقا بنفسي‪ ...‬كنت اقفا أمامك كطفل يفصله عن لعبته‬
‫زجاج وأاجهة ملوأنة فحسب‪ ..‬وأترتجفا الكلمات الموأهإنة في حلقي ثام تتساقط وأاحدة تلوأ الخرى إلى‬
‫صدريأ فاسمع لها خفقا عنيفا يهز أضلعي‪ ...‬وأعرفتك اكثار فاكثار‪ ...‬وأكتبت في مذكراتك عن تلك‬
‫اليام‪..‬‬
‫” إنني انتظر أن اعرفه اكثار فاكثار‪ "...‬وأكنت أنا ل أقوأى‪ ,‬بعد‪ ,‬على كتابة أيما شيء عنك‪...‬‬
‫ثام‪ ...‬آه أيتها العزيزة‪ ,‬لقد أحببتك بكل القوأى التي تحتوأيها ضلوأع إنسان يبحث عن استقرار‪ ..‬بكل‬
‫خفقان القلب الذيأ تعذب طوأال عمره‪ ...‬بكل صلبة الضلع التي جاعت‪ ,‬وأتشردت وأتألمت‪ ...‬من‬
‫اجل هإذه اللحظة‪ ...‬كنت المنارة التي أشرقت على حين غرة أمام الزوأرق التائه‪ ...‬وأنشبت بهذا‬
‫اليجاد بكل ما في زنوأديأ من توأق إلى الطمأنينة‪...‬‬
‫وأكتبت لي‪ ,‬يوأم ذاك‪ ,‬تقوألين‪" :‬لماذا أنا اشتاق إليك كل هإذا الشوأق‪ ,‬إذا كانت أنا تعنينا نحن‬
‫الثانين‪..‬كما اتفقنا؟"وأكنت أنا أضم أملى بعنفا يليق به‪ .‬وأكنت أريدك‪ ..‬أريدك‪..‬بكل ما في الكلمة‬
‫من طلب‪ ..‬وأدا لي أن الحياة قد ابتسمت أخي ار وأان القلعة الجهمة من اللم‪ ,‬القلعة التي ارتفعت‬
‫حج ار م ار فوأق حجر مر في وأجوأديأ‪ ..‬هإذه القلعة اطل من فوأقها الن على كل هإذه السعادة‪..‬‬
‫وأأعطاني هإذا التصوأير رضى كافا‪..‬‬
‫وأغبت عنك بعيدا حيث اقتلع لقم عيشي اقتلعا‪ ..‬وأهإناك‪ ,‬في ذلك البلد البعيد الذيأ يحتوأيأ على كل‬
‫شيء وأليس فيه أيأ شيء‪ ..‬البلد الذيأ يعطيك كل شيء وأيضن عليك بكل شيء وأفي ذلك البلد‬
‫البعيد الذيأ يتلوأن افقه في كل غروأب بحرمان ممض‪ ,‬وأالذيأ يشرق صباحه بقلق ل يرحم‪..‬هإناك‪,‬‬
‫كنت أعيش على أمل أن أستطيع‪ ,‬في يوأم يأتيان أضع حدا لكل شيء‪ ..‬وأان أبدا معك من جديد منذ‬
‫البدء‪ ..‬وألكن القدر كان ل يريد للشراع أن يندفع في ريح طموأح وأحينما جأرت عيوأن الطبيب تدب‬
‫إلى خبر الرعب الذيأ يجريأ في عروأقي‪ ,‬أحسست بالقلوأع كلها تتهاوأى في أعماقي‪ ,‬وأسمعت قرقعة‬
‫التهاوأيأ تدوأيأ في أذني‪ ,‬وأيدوأر عالمي بي حتى يغشى عيوأني بضباب ساخن‪ ..‬وأعيوأن الطبيب‬
‫إتمامي تكفن مستقبلي‪ ,‬وأعروأق جبهته العريضة تقدم تفاصيل عذاب متصل ناشفا‪.‬‬
‫وأحين عادت بي أعصابي‪ ,‬سمعت كلمات جوأفاء يقيؤهإا الطبيب بل أعماق‪ ,‬كلمات عن المل‪ ,‬عن‬
‫الشجاعة‪ ,‬عن العلم‪ ,‬عن الشباب‪...‬كلمات فقدت بكل معانيها‪ ,‬أصبحت حروأفها مجرد ديدان صغيرة‬
‫تلتفا حوأل نفسها بل مبرر‪ ...‬ما هإي الشجاعة التي يطالبني بها الطبيب؟ أن أوأاجه مستقبلت أنا‬
‫اعرفا انه مشوأب بالحرمان وأالتعاسة؟ أم أن استسلم لهذا المستقبل بالقدرية التي تليق بعجوأز باع‬
‫حياته كي يشتريأ أخرته كتاجر بل رأسمال؟ ما هإوأ المل وأأنا على يقين بان ل شيء يلوأح في‬
‫الفق‪ ...‬أيأ شباب؟ نعم أيأ شباب هإذا الذيأ لم يوأمض قط‪ ...‬الذيأ لم يعش قط‪..‬أيأ شباب؟ كم‬
‫تافهة قيمة الكلمات التي يرددهإا الطبيب لمجرد أن كتب الطب قالت ذلك‪.‬‬
‫وألكن الصفعة القوأى أتت حينما هإبطت الدرج عائدا من عيادة الطبيب‪ ,‬لقد تذكرتك‪ ...‬وأفي اللحظة‬
‫التي وأمض فيها وأجهك الحي في عيني‪ ,‬وأمضت في صدريأ صاعقة يأس سوأداء‪...‬‬
‫هإل تقبل هإذه النسانة رجل مريضا؟ كي تنجب منه أبناء مرضى؟ هإل تقبل أن تكوأن ممرضة؟ أن‬
‫تعيش مع شاب نصفا ميت؟‬
‫وأكانت اليام التي أتت ذات قساوأة أعمق‪ ..‬لقد فشلت أن أكوأن بطل‪ ,‬أوأ شجاعا‪ ,‬كما أرادني‬
‫الطبيب‪ ,‬وأأحسست بان الشياء الصغيرة التي كانت تمل حياتي بالتفاصيل قد فقدت أهإميتها بالنسبة‬
‫لي‪ ,‬وأان اليام التي سوأفا تأتي ل تحمل في جوأانحها أيأ خفقة جديدة لهذا القلب المسكين‪ ...‬لقد‬
‫فشلت في أن امثال دوأر البطل‪ ...‬وأكان كل شيء في الحياة يتحداني وأيمتص صموأديأ وأيشمخ أمام‬
‫ضعفي كسد هإائل من اليأس‪...‬‬
‫أنني امشي في جنازتي رغم انفي‪ ...‬كل العظات الجوأفاء التي علمتها في السنوأات الماضية تبدوأ لي‬
‫الن فقاعات صابوأن سخيفة شديدة السخافة‪ ,‬أن المرء يكوأن شجاعا طالما هإوأ ليس في حاجة أيأ‬
‫الشجاعة‪ ...‬وألكنه يتهاوأى حينما تصبح القضية قضية حقيقية‪...‬حينما يصبح عليه أن يفهم‬
‫الشجاعة بمعنى الستسلم‪..‬بمعنى أن يلقي جانبا كل ما هإوأ إنساني وأيكتفي بالتفرج‪ ,‬ل‬
‫بالممارسة‪...‬‬
‫وأكنت أنت‪ ,‬في كل طريقي إلى غرفتي‪ ,‬عذابي وأدوأاريأ‪ ...‬وأكنت أحس بك تتسربين من بين‬
‫ضلوأعي‪ ,‬من بين أصابعي‪ ,‬إوأانني أعض عبثاا على أمل ل يريد أن يبقى معي‪ ...‬وأكانت جملتك‬
‫تدوأيأ في رأسي‪ ,‬جملتك التي كتبتها لي ذات يوأم‪":‬لوأ تبدلت أفكارك سأتركك‪ ...‬المهم سوأفا يكوأن‬
‫فراق‪ ...‬أتفهم أنت معنى هإذا الرعب ؟؟ " لم يتبدل رأسي‪ ,‬أيتها العزيزة‪ ,‬لقد تبدل دمي‪ ,‬تبدل كل‬
‫شيء‪ ...‬وأأخافا أن اقفا أمام عيوأنك‪ ,‬استجديأ حبك استجداء إنسان فقد أشياءه العزيزة‪ ..‬أخافا ـ‬
‫بكل ما في هإذه الكلمة من جبن ـ أن أتطلع إلى عيوأنك فأرى معنى من معاني الرفض مغلفا‬
‫بالشفقة‪ ..‬سوأفا أحس بأن قدمي انزلقتا فوأق الصخر الذيأ أمضيت عمريأ أتسلقه بكل قوأايأ‪..‬‬
‫وأسوأفا لن يقدر الوأاديأ‪ ،‬قط‪ ،‬أن يعيد لي وألوأ شيئا من الرغبة في الستمرار‪ .‬أتعرفين معنى أن يفقد‬
‫النسان كل شيء في مدى لحظات عوأدته إلى داره ؟ أتعرفين معنى أن يكتشفا شاب بأن حياته‬
‫القاسية الجافة لم تكن إل عبثا ا محض ا في لحظات قصار ؟ ثام ‪ ،‬أتفهمين معنى أن يقوأم حب ما على‬
‫أعمدة من الشفقة فحسب ؟‬
‫وأنمت تلك الليلة في زوأرق جموأح يناضل دوأامة بل قرار‪ ..‬وأكان رأسي مسرح ا لهزليات كثايرة تتعاقب‬
‫دوأن رباط‪ ..‬آرائي التي كوأنتها أصبحت في حاجة لتنظيفا‪ ..‬القيم التي عبدتها يجب أن تحطم ‪..‬‬
‫الحلم التي كوأنتها في صدريأ لم يعد لي حق امتلكها‪ ،‬وأكل شيء في ماضي وأحاضريأ وأمستقبلي‬
‫تغلفا بميوأعة ذات رائحة عفنة‪ ..‬وأبدت لي كل القيم التي وأضعها النسان المغروأر لحياته ليست‬
‫سوأى هإذيان سكران يريد أن ينسى‪..‬‬
‫وأأفكار المريض‪ ،‬حينما تجمح به تصوأراته‪ ،‬أفكار مضحكة مبكية‪ ..‬لقد حبست لمدى لحيظات أن‬
‫اختياريأ من بين آلفا اللفا من البشر لكوأن مريض ا الداء الملعوأن المزمن عملية تقييم فذة‪ ،‬وأان‬
‫هإذا المرض وأسام من طراز نادر يزين صدريأ من الداخل وأأنني أكاد اسمع رنينه مع خفقان قلبي‪..‬‬
‫وألكن الحقيقة كانت شيئا آخر‪ ..‬وأحينما صحوأت كانت المأساة تمتد أمام بصريأ جهمة‪ ،‬حادة‪،‬‬
‫سوأداء‪ ،‬ممتدة في مستقبلي إلى ما ل نهاية‪ ،‬تعبق بالعجز وأالحرمان‪...‬‬
‫لماذا كنت أفكر فيك أنت بالذات اكثار من أيأ شيء آخر ؟‪ .‬لقد بدا لي كل شيء ممكن الحتمال‪،‬‬
‫وألكنك أنت كنت عذابي الخاص الملح‪ ..‬وأكنت أريد‪ ،‬بكل قوأايأ‪ ،‬أن احل هإذا اللحاح بصوأرة من‬
‫الصوأر‪ ،‬أن أتركك اهإرب‪ ...‬أوأ أن التصق بك أكثار فأكثار‪ ..‬وألكن الموأقفا الخائفا‪ ،‬الموأقفا المتردد‬
‫كان يقض رأسي بل رحمة‪..‬‬
‫وأبعد يوأم آخر‪ ،‬وأصلت إلى قرار‪ ..‬أنني‪ ،‬الن‪ ،‬ل أعرفا ما الذيأ دفعني إلى ذلك القرار‪ ،‬لقد نسيت‪،‬‬
‫أوأ فلنقل أن الحداث التي جرت فيما بعد جعلتني أنسى‪ ..‬وألكن الشيء الذيأ اذكر أنه كان في رأسي‬
‫حينما قررت ق ارريأ هإوأ أنني يجب أن أكوأن بطلا وألوأ مرة وأاحدة حقيقية‪ ..‬أن أكوأن وأاحد ا من أوألئك‬
‫الذين ترد أسماؤهإم في القصص بصفتهم وأاجهوأا موأاقفهم الحادة بشجاعة فائقة‪ ،‬وأصفعوأا أقدارهإم‬
‫الخاصة بكل ما في وأسعهم من قسوأة‪ ..‬وأقلت لنفسي‪ ،‬فيا أنا سعيد بعض الشيء بأنني توأصلت إلى‬
‫قرار‪ " :‬سوأفا أسكب لها الحقيقة‪ ،‬كل الحقيقة‪ ..‬وألسوأفا تعرفه هإي أيأ عذاب حملته لنفسي حينما‬
‫قررت أن أتركها تبحث عن طريق آخر لحياة سعيدة‪ ،‬هإي تعرفا كم احبها‪ ..‬وألوأ لم تستطع أن تفهم‬
‫عظم تضحيتي الن‪ .‬فلسوأفا تعرفها في المستقبل‪ ..‬على أيأ حال‪ ..‬أنا ل يهمني أن تعرفا أوأ أن ل‬
‫تعرفا‪ ..‬كل ما هإنالك‪ ،‬أن ضميريأ سوأفا يرتاح بعض الشيء‪ ،‬وأان حياتي‪ ،‬سوأفا تكسب شيئا من‬
‫الطمأنينة‪ ،‬وأالقناعة‪"..‬‬
‫أنت ل تعرفين‪ ،‬يا عزيزتي‪ ،‬كم كلفني هإذا القرار‪ ..‬فلنقل إنني كنت مريضا منها ار فلم أستطع أن‬
‫أفهم أيأ عمل أنا مقدم عليه‪ ..‬فلنقل أنني أردت أن أغوأص حتى عنقي في أوأحال التحديأ المغروأر‬
‫وأأنني أردت لنفسي أن تفقد كل شيء على الطلق طالما هإي فقدت أهإم الشياء‪ ..‬فلنقل أنني أردت‬
‫أن أمزق كل ما في صدريأ من بقايا المال المحتضرة وأأن هإذا التحديأ السخيفا كان الطريقة‬
‫الوأحيدة التي أستطيع أن أبرهإن فيها لنفسي – وألوأ لقصر مدى ممكن – أنه مازال في توأقي أن‬
‫أتصرفا كإنسان‪ ..‬كأيأ إنسان‪ ..‬فلنقل أيما شيء‪ ،‬وألكن الشيء الماثال بإصرار هإوأ أن ق ارريأ كان‬
‫نهائياا‪ ..‬وأأنني‪ ،‬طوأال الطريق إليك‪ ،‬كنت قابض ا عليه في صدريأ بكل ما في قدرتي‪ ..‬وأان ضلوأعي‬
‫كانت تنبض بقسوأة‪ ،‬وألكن بل جدوأى‪..‬‬
‫ما جرى‪ ،‬بعد‪ ،‬أنت تعرفينه جيد ا كيفما يعرفا إنسان ما وأجه عملة ما‪ ..‬وألكنه ل يعرفا وأجهها الخر‬
‫على الطلق‪ ..‬وأكنت أنا ذلك الوأجه الخر‪ ،‬لقد صارعت في داخلي بكل قوأايأ كي أستطيع أن أقوأل‬
‫لك‪ ،‬أوأ ألهث أمامك‪ ،‬ق ارريأ‪ ..‬وألكن كل شيء كان يرفض أن يصل على حلقي‪ ..‬كنت ل اقدر أن أقفا‬
‫كما يقفا أيأ بطل شكسبيريأ ليزفا مأساته بجرأة القروأن الماضية‪ ..‬وأكنت ابحث جاهإدا عن نافذة‬
‫ادخل منها‪ ..‬عن كلمة أتعلق بها‪ ..‬عن أيأ شيء اتكئ عليه‪ ..‬وألكنني أعطيتك في تردديأ فرصة‬
‫نادرة لتهدمي مكل شيء‪..‬‬
‫لقد كنت أج أر مني في أن تعترفي بان هإنالك رجلا أخر‪ ..‬وأبأنك مضطرة لن ترضخي للفرص التي‬
‫منحها لك‪ ..‬وأالتي لم امنحها أنا‪ ..‬وألكن هإل قلت لي أنت بأن هإنالك رجل آخر حقيقة ؟ كل‪ ..‬انك لم‬
‫تلفظي الكلمات‪ ..‬قلتها بصراحة أقسى من أيأ كلمة وأاضحة‪ ..‬وأصفعتني بها قبل أن أجد الكلمة التي‬
‫أحملها مأساتي‪ ،‬وأاشحنها بنبأ مرضي الحزين‪ ..‬لقد قلت كل شيء بجرأة تليق بامرأة تريد أن‬
‫تستقر‪ ..‬وأحينما غيبك الباب‪ ،‬غيبتك اليام‪ .‬وأذهإبت إلى حيث ل ادريأ‪ ،‬وألكنني أحس‪ ..‬وألقد عذبتك‬
‫اللحظة‪ ،‬هإذا شيء وأاضح وألكنك تركت كل شيء معي‪ ،‬بين الجدران العارية‪ ،‬وأذهإبت‪ ..‬بدأت‪..‬‬
‫نسيت‪ ..‬وألم تسمعي مني ابدأ الكلمات التي زرعتها بكل ما تبقى من كرامتي‪ .‬الكلمات التي جمعتها‬
‫ليلة بعد ليلة من لهاثاي‪ ..‬وأشجاعتي‪ ..‬وأخوأفي‪ ..‬وأالتي لم يتيسر لي أن أقوألها لك‪..‬‬
‫وأكنت أحدق إلى الباب العتيق بعدما أغلقته‪ ..‬كان يخيل إلي أنني مازلت أراك تدقين أرصفة دمشق‪،‬‬
‫وأكنت اسمع خفقات خطوأاتك بكل وأضوأح‪ ،‬وألكنني كنت في القاع‪ ..‬في آخر الدوأامة‪ ..‬لقد شعرت فوأرا‬
‫أيأ شيء فقدت‪ ..‬وأفقدته رغم أنفي‪ ..‬أنت ل تعرفين أنك أضعت علي فرصتي الخيرة في أن استعيد‬
‫إنسانيتي التي امتصها المرض حتى آخرهإا‪ ..‬أنت ل تعرفين كم حرمتني من وأسيلتي الوأحيدة التي‬
‫كنت أريد أن أقنع نفسي بأنني ما زالت أستطيع أن أكوأن شجاعا ‪ ..‬وأبدت لي كل حياتي صدفة فارغة‬
‫لم يكن لها أيأ معنى‪ ..‬وأأن أخطاء العالم كلها تلتقي عنديأ‪..‬‬
‫لماذا تسرعت في العترافا ؟ لماذا ؟ لماذا لم تتركي لي فرصتي الخاصة في أن أمثال آخر أدوأاريأ ؟‬
‫‪ ..‬وألكنك ل تعرفين‪ ..‬لقد حدث كل شيء بسرعة‪ ،‬وأأنت الن هإناك‪ ،‬في حديقة ما‪ ،‬أن لك كل الحق‬
‫في أن تفعلي‪ ،‬وأفي أن يفعل‪ ،‬وألكن من يستطيع أن يمنعني‪ ،‬أنا الخر‪ ،‬من أن أحقد عليكما‪ ..‬على‬
‫الجميع‪ ..‬وأعلى نفسي ؟ من يستطيع أن يحرمني من أن أكرهإكم جميعاا‪ ..‬وأأتمنى الموأت لكم‪ ..‬وألي‪..‬‬
‫وألكل شيء؟القيم وأالمثال ؟ كل‪ ،‬أنها قيمكم وأمثالكم انتم‪ ..‬الناس الصحاء السعداء‪ ..‬أما قيمي‬
‫وأمثالي فهي شيء آخر‪ ..‬شيء خاص مختلفا يتناسب وأأكوأام المرارة التي أعيش فوأقها‪.‬‬
‫أرأيت ؟ لقد كان الفرق لحظة وأاحدة فحسب‪ ..‬لوأ تأخرت في اعترافك‪ ،‬لكان تغير كل شيء‪ .‬وألكن‬
‫الفرصة قد ضاعت الن‪ ..‬وأابتدأت أنت تمام ا من حيث انتهيت أنا‪..‬‬

‫دمشق‪1959 -‬‬

‫كعك على الرصيفا‬

‫أتكوأن محض مصادفة غربية إنني التقيت به‪ ,‬الن‪ ,‬في نفس المكان الذيأ شاهإدته فيه أوأل مرة؟‬

‫لقد كان مقرفصا هإناك؟ كأنه لم يزل كذلك حتى اليوأم‪ :‬بشعره السوأد الخشن‪ ,‬وأعينيه اللمعتين‬
‫ببريق رغبة يائسة‪ ,‬منكب ا على صندوأقه الخشبي يحدق إلى لمعان حذاء باذخ‪..‬لقد استطاعت‬
‫صوأرته أن تحفر في عظم رأسي قبل عام وأاحد‪ ,‬حينما رأيته في تلك الزاوأية بالذات‪ ,‬ل لشيء غير‬
‫عاديأ‪ ,‬سوأى أنني ـ أنا نفسي ـ كنت احتل هإذه الزاوأية قبل عشر سنوأات‪ ,‬حينما كانت المحنة على‬
‫اشدهإا‪ ,‬وأكانت طريقتي في مسح الحذية تشابه طريقته إلى حد بعيد‪ ,‬كان الحذاء بالنسبة لي هإوأ‬
‫كل الكوأن‪:‬رأسه وأكعبه قطبان باردان‪ ,‬وأبين هإذه القطبين كانت تتلخص دنيايأ‪.‬‬

‫وأقبل عام‪ ,‬حين مررت به‪ ,‬قاءت شفتاه عرضا آليا دوأن أن تنظر عيناه إلى الحذاء‪:‬‬
‫ـ أستطيع أن أحوأله إلى مرآة‪ ،‬يا سيديأ‪..‬‬
‫وأبدافع من رغبة خاصة‪ ,‬تعوأضني عن شهوأر طوأيلة من السى‪ ,‬ركزت قدما على حدبة الصندوأق‬
‫حيث تيسير لي أن أشاهإد خط ا عريض ا من العرق يبلل ظهر قميصه الزرق المتسخ‪ ,‬وأكانت‬
‫عضلت كتفه الضامرة الصغيرة تنقبض وأتنبسط‪ ,‬وأكان رأسه يهتز بانتظام‪..‬‬
‫ـ هإذا حذاء رخيص‪..‬‬

‫لم أحس الهإانة على الطلق‪ ,‬فلقد كان شعوأريأ حينما كنت أشاهإد حذاء رخيصا يشابه شعوأره‪,‬‬
‫لكني لم اكن اعبر عنه بهذه السذاجة‪ ,‬كان الحذاء الرخيص يشعرني باقتراب غامض بيني وأبين‬
‫العالم‪ ..‬وأرغم ذلك‪ ,‬فلقد رغبت في تغير الحديث‪..‬‬
‫ـ كم عمرك؟‬
‫ـ إحدى عشر سنة‪..‬‬
‫ـ فلسطيني؟‬

‫هإز رأسه فوأق الحذاء‪ ,‬دوأن أن يجيب‪ ,‬أحسست بأنه يخفي شعوأ ار بخجل صغير‪..‬‬
‫ـ أين تسكن‬
‫ـ في المخيم‬
‫ـ مع أبيك؟‬
‫ـ ل‪ ,‬مع أمي‪..‬‬
‫ـ أنت طالب أليس كذلك؟‬
‫ـ نعم‪.‬‬

‫وأنقر بإبهامه على النعل‪ ,‬ثام طالعني بعينين صافيتين‪ ,‬باسطا كفه الصغيرة تجاهإي‪ ,‬وأأحسست بخيط‬
‫رفيع من السى في حنجرتي‪ ,‬وأتنازعي شعوأران حادان‪ :‬هإل أعطيه أجرته فحسب؟ أم أزيد عليها؟‬
‫كنت حينما أعطى اجريأ حسب استحقاقي أحس شرفا عملي‪ ,‬وألكنني حين كنت أوأهإب هإبة ما كنت‬
‫اقبلها وأشعوأر بالهإانة يتراكم فوأق سعادتي في أنني كسبت اكثار‪...‬‬

‫لقد طوأاني المنعطفا مبتعدا عن نظراته وأهإي تلسع ظهريأ ذلك أنني أعطيته استحقاقه‬
‫فحسب‪...‬وأحينما نظرت خلفي كان قد صرفا نظره عني وأتابع تحديقه إلى ارض الشارع راغبا في‬
‫اصطياد حذاء آخر‪..‬‬

‫وألكن صلتي "بحميد" لم تنته بانتهاء هإذا المنظر‪ ..‬فبعد اقل من شهر وأاحد عينت مدرس ا في مدارس‬
‫اللجئين‪ ,‬وأحين دخلت إلى الصفا لوأل مرة شاهإدته جالسا في المقعد الوأل‪ ..‬كان شعره السوأد‬
‫الخشن اقصر من ذيأ قبل‪ ,‬وأكان قميصه المهترىء مجرد محاوألة فاشلة لستر عريه‪ ..‬وأكانت عيوأنه‬
‫مازالت تلتمع ببريق رغبة يائسة‪..‬‬
‫لقد سرني انه لم يعرفني‪ ,‬وأرغم انه من الطبيعي أن ينسى ماسح الحذية زبائنه العابرين فلقد كنت‬
‫أخشى من كل قلبي أن يتذكرني‪ ,‬وألوأ فعل لكان وأجوأديأ في الصفا حرجا ل مهرب منه‪ ..‬وأطوأال‬
‫درسي الوأل كنت أحاوأل عبثا ا أن انتزع بصريأ عن وأجهه المكتسي بتحفز مشوأب بقلق صغير‪..‬لقد‬
‫كان الصفا كله مزيجا من عدد كبير من أشباه حميد ‪ ,‬صغار ينتظروأن بفارغ الصبر صوأت الجرس‬
‫الخير كي يشدوأا أنفسهم إلى أزقة مترامية في مجاهإل دمشق الكبيرة يصارعوأن الغروأب من اجل أن‬
‫يكسبوأا العشاء‪ ..‬كانوأا ينتظروأن الجرس بتوأق جائع كي يتوأزعوأا تحت السماء الرمادية الباردة‪ ,‬كل‬
‫منهم يمارس طريقته الخاصة في الحياة‪ ...‬وأكانوأا يعوأدوأن‪ ,‬إذ يهبط الليل إلى خيامهم أوأ إلى بيوأت‬
‫الطين حيث تتكدس العائلة صامتة طوأال الليل إل من أصوأات السعال المخنوأقة‪ ..‬كنت أحس بأنني‬
‫ادرس أطفال اكبر من أعمارهإم‪ ..‬اكبر بكثاير‪ ,‬كل وأاحد منهم كان شر ار انبعث من احتكاكه القاسي‬
‫بالحياة القاسية‪ ..‬وأكانت عيوأنهم جميعهم تنوأس في الصفا كنوأافذ صغيرة لعوأالم مجهوألة‪ ,‬ملوأنة‬
‫بألوأان قاتمة‪ ,‬وأكانت شفاهإهم الرقيقة تنطبق بإحكام كأنها ترفض أن تنفرج خوأفا أن تنطلق شتائم ل‬
‫حصر لها دوأن أن يستطيعوأا ردهإا‪..‬كان الصفا إذن عالما صغيرا‪ ..‬عالما من بؤس مكوأم لكنه بؤس‬
‫بطل‪..‬‬

‫وأكنت أحس بينهم بشيء من الغربة‪ ..‬وأأوأرثاني هإذا الحساس رغبة جامحة في أن أحاوأل الوأصوأل‬
‫إلى قلوأبهم قدر استطاعتي‪..‬‬
‫كان حميد طفلا متوأسط الذكاء‪ ,‬وألكنه لم يكن يدرس بالمرة‪ ..‬وأكنت أحاوأل باتصال أن ادفعه ليدرس‬
‫وألكن هإذا الدفع لم يكن يجديأ‪..‬‬
‫‪-‬حميد‪ ,‬ل تقل لي انك تفتح كتابا في بيتك‪ ...‬انك ل تدرس على الطلق‪..‬‬
‫‪-‬نعم يا أستاذ‬
‫‪-‬لماذا ل تدرس ؟‬
‫‪-‬لنني أشتغل‪..‬‬
‫‪-‬تشتغل حتى متى ؟‬

‫وأتطل العيوأن الوأاسعة الحزينة فيما تأخذ الصابع الصغيرة تدوأر باضطراب طاقية متسخة‪ ..‬ثام‬
‫يهمس صوأت بائس‪:‬‬
‫‪-‬حتى منتصفا الليل‪ ..‬أستاذ‪ ..‬إن الخارجين من دوأر السينما يشتروأن كعكي دائما إذا انتظرتهم‪..‬‬
‫‪-‬كعك؟ أنت تبيع كعكا ؟‬
‫وأيرد صوأته بخجل هإامس‪:‬‬
‫_ نعم يا أستاذ‪ ..‬كعك‪..‬‬
‫‪-‬لقد كنت أظن‪ ..‬ل اذهإب إلى مكانك‪ ..‬اذهإب!‬

‫وأطوأال تلك الليلة‪ ,‬كنت أتصوأر المسكين الصغير يدوأر حافيا في شوأارع دمشق النظيفة ينتظر خروأج‬
‫روأاد السينما‪ ..‬كنا في تشرين‪ ,‬وأكانت السماء تمطر في تلك الليلة‪ ..‬وأتصوأرته وأاقفا في زاوأية ما‬
‫راعشا كريشة في زوأبعة‪ ..‬ضاما كتفيه قدر جهده إلى بعضهما‪ ,‬وأداسا كفيه في مزق ثاوأبه محدقا‬
‫إلى صحن الكعك أمامه‪ ..‬منتظ ار شخصا ما يخرج من القاعة جائعا كي يشترى كعكة‪ ..‬شخصين‪..‬‬
‫ثالثاة‪ ..‬وأيتسع فمه بابتسامة‪ ,‬يائسة وأيحدق إلى ميازيب تشرين من جديد‪.‬‬

‫وأفى اليوأم التالي‪ ..‬شاهإدته في الصفا‪ ,‬كان النعاس يأكل عيوأنه‪ ,‬وأكانت رأسه تنحدر على حين‬
‫فجأة إلى صدره‪ ,‬ثام ينهضها بعجز‪.‬‬
‫‪-‬أتريد أن تنام يا حميد ؟‬
‫‪-‬كل يا أستاذ‪..‬‬
‫‪-‬إذا أردت أن تنام فلسوأفا آخذك إلى غرفة المدرسين‪..‬‬
‫‪-‬كل يا أستاذ‪..‬‬

‫وألكنه كان يبدوأا منهكا بصوأرة حادة‪ ,‬وأهإكذا‪ ,‬اقتدته إلى غرفة المدرسين‪ ,‬كانت غرفة عارية إل من‬
‫صوأرة رسمها مدرس الرسم الفاشل ببقايا ألوأان الطلبة‪ ،‬وأكانت المقاعد الثاقيلة منثاوأرة تحت الجدران‬
‫الرطبة وأحوأل مائدة صغيرة تكدست عليها أكوأام الدفاتر وأالكتب‪ ,‬لقد وأقفا حميد في باب الغرفة‪,‬‬
‫مستشع ار كما يبدوأا إحساسا غريبا‪ ,‬كان قلقا بعض الشيء‪ ,‬وأكانت طاقيته تدوأر بين أصابعه‬
‫الصغيرة‪ ,‬وأعيوأنه تتناوأب التحديق إلي‪ ,‬وأالى الغرفة‪..‬‬

‫‪ -‬نم على أيأ مقعد‪ ,‬سوأفا نضع حطبا في المدفأة‪.‬‬


‫تحرك بطيئا إلى المقعد القريب‪ ,‬وأجلس فوأقه نصفا جلسة‪ ,‬فيما إلتمعت عيناه بسعادة الدفاء‪.‬‬
‫‪-‬هإل بعت كثاي ار من الكعك ليلة أمس ؟‬
‫‪-‬ليس كثاي ار‪..‬‬

‫كان في صوأته رنة أسى عميق‪ ,‬وأكان وأجهه يرتجفا‪:‬‬


‫‪-‬لماذا ؟‬
‫‪-‬نمت‪ ,‬نمت أثاناء انتظاريأ انتهاء الفيلم‪ ,‬وأحينما صحوأت كان كل شئ قد انتهى‪.‬‬
‫‪-‬نم الن‪ ,‬سوأفا أعوأد إلى الصفا‪.‬‬

‫وألكنني لم أعرفا كيفا أتممت درسي‪ ,‬كنت أحس بقلق غريب‪ ,‬وأكنت أخشى أن أنفجر بالبكاء أمام‬
‫الطلبة‪.‬‬

‫وأفى الفرصة كان حميد يغط في نوأم عميق‪ ,‬وأكان انفه الصغير مازال مزرقا من فعل البرد إل أن الدم‬
‫كان قد بدأ يرد إلى وأجنتيه‪ .‬لم يسأل أحد من الساتذة أيأ سؤال‪ ,‬إذ أن حوأادث كثايرة من هإذا الطراز‬
‫كانت تحدث كل يوأم‪ ,‬وأاكتفى الجميع برشفا الشايأ صامتين‪.‬‬

‫وأطوأال اليام التالية كنت ابحث عن طريقة ادخل فيها إلى حياة حميد دوأن أن يمسه فضوألي‪ ,‬وأكانت‬
‫هإذه العملية صعبة للغاية‪ ,‬إذ أن كل طالب في مدرسة النازحين كان يصر على الحتفاظ بمأساته‬
‫الخاصة‪ ,‬وأضمها بعنفا في صدره‪..‬كأنما كان هإنالك شبه اتفاق مشترك على أن هإذا وأاجب‬
‫وأضروأريأ‪..‬‬

‫إن الشياء الصغيرة‪ ,‬حينما تحدث في وأقتها‪ ,‬يكوأن لها معنى اكبر منها‪ ,‬اقصد أن هإنالك بداية‬
‫صغيرة لكل حادث كبير‪..‬‬

‫ففي أحد اليام آتى أخي الصغر إلى المدرسة يحمل طعام الغداء لي‪ ,‬وأحينما أعلمني خادم المدرسة‬
‫بذلك‪ ,‬أرسلت حميدا إليه كي يأخذ منه أوأعية الكل‪ .‬وأعندما عاد حميد أحسست بأنه أهإين بكيفية‬
‫أوأ بأخرى‪ ,‬وألذلك طلبت منه أن يراجعني في غرفة المدرسين‪ ,‬أثاناء فرصة الغداء‪.‬‬

‫دخل حميد غرفة المدرسين قلقا كالعادة‪ ,‬كنت وأحيدا‪ ,‬وأرغم ذلك فان قلقه لم يبارحه‪ ,‬كانت أصابعه‬
‫تدوأر طاقيته باضطراب‪ ,‬وأكانت عيوأنه تلتمع كعادتها‪..‬‬
‫ـ حميد‪ ,‬هإل أعجبك أخي؟‬
‫ـ انه يشبه أخي‪..‬‬
‫لم اكن أتصوأر أن الموأضوأع سوأفا يطرق بهذه السرعة‪...‬وألذلك فلقد سألت متعجبا‪:‬‬
‫ـ أخوأك؟ أنني اعرفا أن لك أختين فحسب‪..‬‬
‫ـ نعم‪ .‬وألكن أخي مات‪..‬‬
‫ـ مات؟‪..‬‬
‫أحسست باضطراب أنا الخر‪ ,‬فهذا الصغير يضم صدره الضامر أسرار كبيرة‪..‬‬
‫ـ كان اصغر منك‪..‬هإا؟‬
‫ـ كل‪..‬اكبر مني‪..‬‬
‫ـ كيفا مات؟‬
‫وألكن حميد لم يجب‪ ,‬وأشاهإدته يغالب دمعا غلبه في نهاية المر‪ ,‬وأامتل وأجهه الصغير بدمع غزير‬
‫اخذ يمسحه خجل بعض الشيء‪...‬‬
‫ـ حسنا‪..‬ل تتكلم ‪..‬أتعرفا إن أخي أنا الخر مات؟‬
‫ـ صحيح؟‬
‫ـ نعم‪ ..‬لقد دهإسته سيارة كبيرة‪..‬‬
‫كنت اكذب‪..‬وألكنني رغبت في أن أشارك أحزان الصغير بكيفية ما‪..‬وأشعرت بان كذبتي أخذت طريقها‬
‫السوأيأ إلى رأسه إذ التمعت عيناه بأسى مفاجئ وأمضى يحكي ببطء‪:‬‬
‫ـ أخي لم تدهإسه سيارة‪...‬لقد كان يعمل خادما في الطابق الرابع‪..‬وأكان سعيدا‪..‬‬
‫كان حميد يستخدم بذراعيه كي يوأضح كلمه وأكانت دموأعه تنساب دوأن أن يشعر‪..‬‬
‫ـ لقد اطل في قفص المصعد فقطع المصعد رأسه وأهإوأ يهبط‪..‬‬
‫ـ مات؟‬

‫كان السؤال سخيفا‪ ,‬وأرغم ذلك فلقد أحسست بضروأرته من اجل أن أهإدهإد قشعريرة مفاجئة تكلبت‬
‫في جسديأ‪..‬وأهإز حميد راس ثام سال فجأة‪:‬‬
‫ـ هإل قطعت السيارة راس أخيك؟‬
‫أخي؟آه‪..‬نعم‪..‬نعم لقد قطعت رأسه‪..‬‬
‫ـ هإل حزنت عليه كثايرا؟‬
‫ـ نعم‪..‬‬
‫ـ هإل تبكي عندما تتذكره؟‬
‫ـ ليس كثاي ار‪...‬‬
‫ـ قل لي يا أستاذ‪ ...‬هإل لك أب؟‬
‫ـ طبعا ‪ ,‬اعني نعم‪ ,‬لماذا؟‬

‫خطا نحوأيأ وأسأل بلهفة راعشة‪:‬‬


‫ـ هإل هإوأ بخير؟‬
‫ـ نعم‪..‬لماذا؟‪..‬‬

‫تكهفت عيناه بأسى فاجع وأشعرت بان للمأساة ذيوأل تعصر رئتيه‪...‬وألكنني كنت على يقين بان‬
‫حميد سوأفا لن يجيب على أيأ سؤال‪...‬لقد انطبقت شفتاه بإحكام مصر‪..‬وأيمم عيناه شطر الحائط‬
‫العاريأ‪...‬كان بنطاله قصي ار ممزقا وأكان قميصه الزرق متسخا مهترئا‪...‬وأحين شاهإدني أطالعه‬
‫باستغراب لململم نفسه وأاحمر وأجهه قليل وأازدادت سرعة الطاقية الصوأفية الدوأارة بين أصابعه‪.‬‬
‫لقد بدأت مشكلة حميد تدخل شيئا فشيئا فيما بعد‪ ,‬إلى حياتي‪.‬‬
‫كنت ل أستطيع على الطلق أن أكوأن عاب ار في حياته‪ ,‬متفرجا إلى مأساته‪ ,‬وأمن بين عشرات‬
‫المآسي التي حفل بها صفي لم تجذبني إل عيوأن حميد البائسة اليائسة‪..‬صرت أفكر فيه على‬
‫الدوأام‪.‬وأكثاي ار ما كنت اقرر أن أبدأ بنفسي‪ ,‬خارج المدرسة‪ ,‬بحثاا متصل حوأل حياة حميد‪..‬بل لقد‬
‫فكرت يوأما في أن ابحث عن طريقة تجعل أمر مساعدته ماليا شيئا طبيعيا ل يحمل رائحة‬
‫الهإانة‪..‬وألكن كل شيء كان يدوأر مجهدا حوأالي‪ ,‬وأكان ينتهي إلى الفشل أمام العيوأن التي تحتوأيأ‪,‬‬
‫إلى جنب السى ‪ ,‬شيئا كثاي ار من الكبرياء وأالتعالي‪..‬‬

‫إل أن علقتي بقضية حميد أخذت تخفت شيئا فشيئا بعد سلسلة من الحداث الصغيرة جعلتني احمل‬
‫نقمة غريبة على هإذا المخلوأق الصغير‪ ,‬المقعد‪ ,‬المكوأم فوأق أسرار‪ ,‬ل تنتهي إلي لتبدأ‪ ,‬وأل تبدأ إل‬
‫لتستمر‪..‬فلقد حدث ذات يوأم أن شكا إلي حميد أستاذا زميل أهإانه إهإانة بالغة‪.‬وألقد قال حميد‪,‬‬
‫يوأمها‪ ,‬وأهإوأ يحدق إلي مكش ار بعض الشيء‪:‬‬
‫يتيم‪...‬وأال لكنت استدعيت أبى‪..‬‬
‫إ‬ ‫ـ إنني‬
‫ـ هإل‪..‬أبوأك ميت؟‪..‬‬
‫قال بخجل وأهإوأ يطأطئ رأسه‪:‬‬
‫ـ نعم‪..‬‬
‫ـ لماذا لم تقل لي ذلك من قبل؟‬
‫لم يجيب حميد على سؤالي وأاكتفى بان هإز رأسه باتصال‪ ,.‬وأصمت‪:‬‬
‫ـ أنت الذيأ تصرفا على عائلتك إذن؟‬
‫ـ نعم‪..‬أنا الذيأ اصرفا‪..‬أن أمي تكسب قليل من تنظيفا مخازن وأكالة الغوأث‪..‬وألكنني أنا اكسب‬
‫اكثار‪..‬‬

‫وأصمت حميد قليل ثام اندفع قائل وأهإوأ يبسط كفيه الصغيرتين مستعينا بحركاتهما‪:‬‬
‫ـ إنني اشتريأ كل ثالث كعكات بعشرة قروأش‪..‬أبيع الكعكة الوأاحدة بخمسة قروأش‪..‬‬
‫ـ أما زلت تنام وأأنت تنتظر خروأج روأاد السينما؟‪..‬‬
‫ـ كل‪..‬لقد تعوأدت السهر‪..‬‬
‫هإل من الضروأريأ أن يعترفا المدرس‪ ,‬بين الفنية وأالخرى‪ ,‬بأنه يلجا إلى الغش كي يعين طالبا‬
‫مسكينا على النجاح؟‪.‬لقد كنت أنا افعل ذلك‪..‬كانت علمات حميد جيدة على الدوأام رغم انه كان‬
‫متوأسط المستوأى‪ ,‬لكني لم اشعر قط بعدالة علماتي بقدر ما كنت اشعر هإذه العدالة حينما كنت‬
‫أسجل علمات حميد‪..‬‬

‫وألكن القضية ل تتحرج هإنا على الطلق‪ ,‬لقد بدأت تتحرج فقط حينما أخذت اشك في سلوأك هإذا‬
‫"الحميد" وأفي كلمه لي‪ ,‬بل وأفي دمعه أيضا‪..‬‬

‫وأفي عصر يوأم قائظ من أيام نهاية العام نقل ألي تلميذ الصفا أن خادم المدرسة ضرب حميدا‬
‫ضربا قاسيا حينما كان يحاوأل عبوأر حاجز المدرسة هإاربا‪ ,‬وأحينما استدعيت الخادم إلى غرفة‬
‫المدرسين كي أعاتبه وأجدتني أوأاجه رجل يتمتع بقناعة غريبة بأنه إنما فعل عين الصوأاب‪ ,‬ضاربا‬
‫عرض الحائط بكل مفاهإيم التربية النموأذجية التي حاوألت أن أوأضحها له‪..‬حينذاك لم أجد بدا من أن‬
‫أوأاجهه بمنطقه الخاص‪:‬‬

‫‪-‬أليس حراما يا أبا سليم أن تضرب يتيما؟‬


‫جأر أبا سليم مادا رأسه تجاهإي وأقد عقد ذراعيه على صدره‪:‬‬
‫‪-‬يتيم؟ إن أباه لوأح‪ ,‬أكتافه تمل الدنيا‪..‬‬
‫‪-‬حميد له أب؟‬

‫سألت متعجبا‪ ..‬فيما أتاني نفس الجوأاب مكر ار بصلفا‪:‬‬


‫‪-‬إن أباه لوأح‪ ..‬تمل أكتافه الدنيا‪..‬‬

‫أحسست بإهإانة تصفع صدريأ‪..‬وأساءني أن يكوأن الصغير قد بنى عطفي عليه فوأق أكاذيب‬
‫منحطة‪ ..‬شعرت بأنني لم اكن سوأى مغفل طيب القلب وأان كل العلمات التي جعلتها تخطوأ من فوأق‬
‫ضميريأ بارتياح تضحك في وأجهي الن بشراسة‪..‬‬

‫وأطوأال الطريق إلى بيتي كانت كلمات أبى سليم تعرك رأسي وأيدوأيأ صداهإا في حنجرتي‪..‬وأكنت احدث‬
‫نفسي زاعما لها أن اؤلئك الملعين الصغار هإم في الحقيقة اكبر بكثاير من أعمارهإم وأان الخطأ كان‬
‫في أنني عاملتهم على انهم أطفال فحسب‪ ,‬لقد تغاضيت عن كوأنهم رجال صغار يستطيعوأن‬
‫الوأصوأل إلى ما يريدوأن بأية طريقة تخطر على بالهم‪..‬وأان لعبة حميد على أستاذه ليست في نظره‬
‫سوأى لعبة بائع كعك على زبوأن نصفا سكران تنتهي بشراء كعكتين‪ ,‬أوأ كعكة بسعر كعكتين ‪..‬‬

‫وأرغم هإذا الكلم‪ ,‬فأنني لم استطع أن أتخلص من شعوأريأ الحاد بأنني أهإنت على يد حميد إهإانة‬
‫بالغة‪ ,‬وأأخذ تفكيريأ يسير في الطريق الذيأ يؤديأ إلى إيجاد انتقام ما‪..‬أنني اعتقد الن بان القضية‬
‫تافهة‪ ,‬وأان تفكيريأ كان اتفه‪ ,‬وألكنني لم اكن أرضى لحظتذاك بأن أتنازل قيد أنملة وأاحدة عن حقي‬
‫في أن امسح الهإانة‪..‬‬

‫وألكن الذيأ حدث فيما بعد لم يستطع أن يهدهإد غضبي‪ ,‬بل على العكس‪ ,‬لقد زاده أوأارا على‬
‫ص علي طالب ثارثاار كيفا ماتت‬
‫أوأار‪..‬وأاستشعرت بعدهإا ألما ممض ا يعتصر صدريأ بل هإوأادة‪..‬فلقد ق ي‬
‫أم حميد قبل شهوأر طوأيلة بعد أن وأضعت طفلة ميتة‪..‬‬
‫وأوأجدتني أغوأص في دوأامة من الكاذيب كوأمها حوألي هإذا الحميد الصغير ببراعة ل تكاد تصدق‪...‬‬

‫أتت نهاية احتمالي في غداة يوأم قائظ‪ ,‬كنت عائدا فيه من المدرسة فرأيته فجأة بعد غياب طوأيل‪..‬‬

‫أتكوأن محض مصادفة غريبة أنني التقيت به في نفس المكان الذيأ شاهإدته فيه لوأل مرة؟‬
‫كان مقرفصا هإناك خلفا صندوأقه الخشبي الملوأث بالدهإان‪ ,‬يحدق إلى الشارع راغبا في اصطياد‬
‫حذاء ما‪...‬فيما وأقفت أنا نصفا مصعوأق أكاد ل اصدق أنني أرى بائع الكعك المزعوأم‪ ,‬وأأحسست‬
‫بالهإانة تجترح حلقي‪ ,‬وأحينما استطعت أن أميز ماذا كنت افعل وأجدتني ممسكا بياقة الصغير أهإزه‬
‫بل هإوأادة‪..‬وأأفح باتصال‪:‬‬
‫ـ أيها الكذاب‪..‬‬
‫رفع الصغير عيوأنه أمامي مفتوأحة حتى أقصاهإا‪ ,‬ممزوأجا لمعانها بمعنى من معاني الخوأفا‬
‫المفاجئ‪ ,‬وأرأيت شفتيه تتحركان دوأن أن تستطيعا النطق بينما فشلت محاوألته الصغيرة للخلص من‬
‫بين قبضتي‪..‬‬
‫وأعدت اكرر وأقد أحسست بشيء يهوأيأ في صدريأ أمام الصمت اليائس‪:‬‬
‫‪-‬أيها الكذاب‪...‬‬
‫‪-‬أستاذ‪..‬‬
‫قالها باسترخاء رافعا إصبعه بصوأرة آلية وأنظر حوأاليه باضطراب ثام اعترفا راجفا ‪:‬‬
‫‪-‬نعم يا أستاذ أنا كذاب‪ ,‬وألكن اسمع‪..‬‬
‫‪-‬ل أريد أن اسمع شيئ ا‪..‬‬
‫ضاقت عيوأنه وأخيل إلى أن دمعة توأشك أن تسقط وأعاد صوأته يرجفا من جديد‪:‬‬
‫‪-‬اسمع يا أستاذ‪..‬‬
‫‪-‬آيها الكذاب‪...‬آنت تعيش مع أمك‪ ...‬فليس كذلك أيها الكذاب ؟‬
‫‪-‬كل يا أستاذ‪..‬كل‪..‬إن أمي ميتة وألكنني ل أستطيع أن أقوأل‪..‬فحينما ماتت أمي طلب وأالديأ منا أن‬
‫ل نقوأل شيئ ا عن موأتها‪..‬أن نصمت‪..‬‬

‫تراخت قبضتي وأسالت بضعة‪:‬‬


‫‪-‬لماذا ؟‬
‫‪-‬لم يكن يملك أجرة الدفن‪...‬وأكان خائفا من الحكوأمة‪ ..‬أسدلت ذراعي إلى جنبي؛ وأاستطعت آن‬
‫التقط خوأفا الصغير الساذج الذيأ استمر حتى اليوأم دوأن مبرر وألكنني خفت أن أكوأن مخدوأع ا‬
‫فعدت أصيح‪ ,‬وألكن بليوأنة أكثار‪...‬‬

‫‪-‬وأأبوأك؟ قلت لي أنه مات‪ ...‬أليس كذلك ؟‬


‫‪-‬لم يستطع حميد أن يتماسك أكثار فأدار وأجهه إلى الحائط وأأخذ يبكي فيما سمعت خلل نشيجه‬
‫صوأته الضعيفا‪:‬‬
‫‪-‬إنه لم يمت‪ ....‬إنه مجنوأن يدوأر في الشارع نصفا عار‪..‬لقد جن بعد أن شاهإد رأس أخي يقطعه‬
‫المصعد‪...‬‬
‫‪-‬جن؟‬
‫‪-‬نعم‪ ...‬لقد أطل أخي داخل قفص المصعد من أجل أن يستقبل أباه‪..‬وأشاهإد أبي المنظر بأم عينيه؛‬
‫فأخذ يعدوأ في الشارع‪..‬‬
‫قلت‪ ,‬مستشعرا الدوأار يتكلب في صدغي‪:‬‬
‫‪-‬لماذا قلت لي أنك تبيع الكعك؟ هإل تستحي من صنعتك ؟ لنت نظرات حميد ‪ ,‬وأحدق إلي بعيوأن‬
‫شفافة قائلا بخجل‪:‬‬
‫‪-‬ل‪ ..‬لقد كنت أبيع كعكا ‪ ,‬وأأوأل أمس عدت إلى هإذه الصنعة‪..‬‬
‫‪-‬وألكنك كنت تكسب كثايرا ؟‬
‫‪-‬نعم‪ ,‬وألكن‪..‬‬
‫‪-‬وأعاد الرأس الصغير ينوأس كعادته كلما تعرض لخجل أكبر منه‪ ,‬وأدق بالفرشاة على سطح‬
‫الصندوأق دقات منتظمة هإامسا دوأن أن يرفع بصره‪..‬‬
‫‪-‬كنت أجوأع آخر الليل‪...‬وأكنت آكل كعكتين أوأ ثالثاة‪.‬‬

‫لم أدر كيفا أتصرفا‪ ,‬هإممت أن أطلق ساقي للريح‪ ,‬وألكني وأجدتني أضعفا من أن أفعل‪ ..‬وأبقي‬
‫الرأس الصغير بشعره السوأد الخشن منحنياا‪ ,‬وأدوأن أن أحس رفعت قدمي وأأركزتها على حدبة‬
‫الصندوأق‪..‬‬
‫بدأت الكفان الصغيرتان تعملن بحذق فيما أخذ الرأس الخشن يهتز فوأق الحذاء‪ ,‬ثام وأصلني‬
‫الصوأت إياه قائلا ببساطة‪:‬‬

‫‪-‬أستاذ‪ ...‬أنت لم تغير حذاءك منذ عام‪ ...‬هإذا حذاء رخيص‪.‬‬

‫الكوأيت ‪1959‬‬