Anda di halaman 1dari 12

‫البـاب األول‪ :‬دراسـة حـول المؤلف‬

‫أولا‪ :‬حيـاتـه‪:‬‬

‫أ) اسمه ونسبه‪:‬‬

‫هو أبو محمد‪ ،‬سهل بن عبد هللا بن يونس بن عيسى بن عبد هللا بن رافع التستري‪ ،‬أحد أئمة الصوفية وعلمائهم المتكلمين‬
‫في علوم اإلخالص والرياضيات وعيوب األفعال‪.‬‬

‫قال أبو نعيم األصبهاني في كتابه "حلية األولياء" ‪ :‬عامة كالم سهل في تصفية األعمال‪ ،‬وتنقية األحوال عن المعايب‬
‫واألعالل‪.‬‬

‫ب) ولدته‪:‬‬

‫ُولد في تستر في سنة مائتين وقيل إحدى ومائتين للهجرة ‪ ،‬وإلى هذه المدينة ترجع نسبته (التستري)‪ ،‬وهذه المدينة من‬
‫أعظم مدن خوزستان ‪( ،‬وتفرد بعض الناس بجعل تستر مع األهواز‪ ،‬وبعضهم يجعلها مع البصرة‪ ،‬وجعلها عمر بن‬
‫الخطاب من أرض البصـرة لقربها منها)‪.‬‬

‫ج) صفاته‪:‬‬

‫كان رحمه هللا زاهداا‪ ،‬عابداا‪ ،‬ولم يكن له في وقته نظير في المعامالت والورع‪ ،‬حتى أنه ليكتفي بوزن أوقية من خبز‬
‫الشعير لطعام يوم كامل‪ .‬كما أنه كان صواما ا حتى أنه ليصوم الوصال‪ ،‬ويتفادى إثم الوصال باإلفطار على الماء‬
‫القراح(الخالص) أحياناا‪ ،‬أما تهجده فقد كان يقوم الليل كله في الصالة‪.‬‬

‫وذكر اإلمام القشيري في رسالته عن سهل أنه قال‪ ":‬جعلت قوتي اقتصارا ا على أن يُشترى لي بدرهم من الشعير فيطحن‬
‫ويخبز لي‪ ،‬فأفطر عند السحر كل ليلة على أوقية واحدة بحتاا‪ ،‬بغير ملح ول إدام‪ ،‬فكان يكفيني ذلك الدرهم سنة‪ .‬ثم عزمت‬
‫على أن أطوي ثالث ليال‪ ،‬ثم أفطر ليلة‪ ،‬ثم خمساا‪ ،‬ثم سبعاا‪ ،‬ثم خمسا ا وعشرين ليلة‪ .‬وكنت عليه عشرين سنة‪ .‬ثم خرجت‬
‫أسيح في األرض سنين‪ ،‬ثم رجعت إلى تستر‪ ،‬وكنت أقوم الليل كله‪.‬‬

‫وكان التستري رحمه هللا سخيا ا بطبعه ينفق ماله في طاعة هللا‪ ،‬وبالغ في ذلك حتى أن أمه وأخوته شكوه إلى بعض الزهاد‪،‬‬
‫فأفهمهم أن من يرغب في اآلخرة ل يترك في الدنيا شيئا ا‪.‬‬

‫د)كراماته‪:‬‬

‫ٱّللُ لا ِإلا ٰـها ِإلَ ه اُو ْٱل احي ْٱلقايو ُم}[البقرة‪ ]255‬فقال‪ :‬هذه أعظم آية في كتاب هللا تعالى‪ ،‬وفيها اسم‬
‫سئل سهل عن قوله تعالى‪َ { :‬‬
‫هللا األعظم‪ ،‬وهو مكتوب بالنور األخضر في السماء سطرا ا واحدا ا من المشرق إلى المغرب‪ ،‬كنت رأيته كذلك في ليلة‬
‫القدر مكتوباا‪ ،‬وأنا بعبادان ل إله إل هو الحي القيوم‪.‬‬

‫وذُكر في تفسير التستري أن سهل دخل على رجل من عباد البصرة‪ ،‬فرأى عنده بلبلة في قفص‪ ،‬فقال‪ :‬لمن هذه البلبلة؟‬
‫فقال‪ :‬لهذا الصبي‪ ،‬كان ابنا ا له‪ ،‬قال‪ :‬فأخرج سهل من كمه دينار فقال‪ :‬بُني أيما أحب إليك الدينار أم البلبلة؟ فقال‪ :‬الدينار‪.‬‬
‫فدفع إليه الدينار وأطلق البلبلة‪ .‬قال‪ :‬فقعد البلبل على حائط الدار حتى خرج سهل‪ ،‬فجعل يرفرف فوق رأسه حتى دخل‬
‫سهل داره‪ ،‬وكان في داره سدرة فسكنت البلبلة السدرة‪ ،‬فلم تزل فيها حتى مات‪ ،‬فلما رفعوا جنازته جعلت ترفرف فوق‬
‫جنازته والناس يبكون‪ ،‬حتى جاءوا بها إلى قبره‪ ،‬فوقفت في ناحية حتى دُفن وتفرق الناس عن قبره‪ ،‬فلم تزل تضطرب‬
‫على قبره حتى ماتت‪ ،‬فدفنت بجنبه‪.‬‬

‫هـ) نشأته وتصوفه‪ :‬نشأ سهل التستري في تستر‪ ،‬وكانت بدايات اتجاهه إلى التصوف في سن مبكرة جدا ا‪ .‬وقد مر في‬
‫نشأته بعدة مراحل أثرت في تفكيره واتجاهه يمكن تلخيصها فيما يلي‪:‬‬

‫‪-‬أولا‪ :‬خاله محمد بن سوار ‪:‬‬


‫كان لخاله األثر الكبير في تصوفه‪ ،‬كما قال هو عن نفسه‪ ":‬كنت ابن ثالث سنين‪ ،‬وكنت أقوم بالليل أنظر إلى صالة خالي‬
‫محمد بن سوار‪ ،‬وكان يقوم بالليل‪ ،‬وكان يقول‪ :‬يا سهل‪ ،‬اذهب ونم‪ ،‬فقد شغلت قلبي ‪ ،‬وقال لي يوما ا خالي‪ :‬أل تذكر هللا‬
‫الذي خلقك؟ فقلت‪ :‬كيف أذكره؟ فقال‪ :‬قل بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثالث مرات من غير أن تحرك به لسانك‪ :‬هللا معي‪،‬‬
‫هللا ناظر إلي‪ ،‬هللا شاهدي‪ .‬فقلت ذلك ليالي ثم أعلمته‪ ،‬فقال‪ :‬قلها في كل ليلة سبع مرات‪ ،‬فقلت ذلك‪ ،‬فوقع في قلبي حالوة‪.‬‬
‫فلما كان بعد سنة قال لي خالي‪ :‬احفظ ما علمتك ودم عليه إلى أن تدخل القبر‪ ،‬فإنه ينفعك في الدنيا واآلخرة‪ ،‬فلم أزل على‬
‫ذلك سنين‪ ،‬فوجدت لها حالوة في سري‪ .‬ثم قال لي خالي يوما ا‪ :‬يا سهل‪ ،‬من كان هللا معه وهو ناظر إليه وشاهده ل‬
‫يعصيه‪ ،‬إياك والمعصية ‪.‬‬

‫‪-‬ثانيا ا‪ :‬خلوته وحفظه القرآن‪:‬ظهر ميله للخلوة في مرحلة جد مبكرة من عمره‪ ،‬يدل على ذلك موقفه من الذهاب إلى الكتاب‬
‫للتعلم‪ ،‬فهو لم يوافق على ذهابه إلى الكتاب إل بعد أن اشترط شروطا ا على المعلم تتعلق بأن يتركه وشأنه بعد فترة من‬
‫الوقت لحياة العزلة والتهجد والتأمل‪.‬‬

‫كما أنه حفظ القرآن في سن مبكرة وكان يصوم الدهر كما قال عن نفسه‪" :‬حفظت القرآن وأنا ابن ست أو سبع‪ ،‬وكنت‬
‫أصوم الدهر‪ ،‬وقوتي خبز الشعير اثنتي عشرة سنة" ‪.‬‬

‫استمر سهل في حياته رتيبة‪ :‬ذكر‪ ،‬وعبادة‪ ،‬وصوم إلى أن بلغ الثالثة عشرة من‬ ‫‪-‬ثالثا ا‪ :‬لقائه مع الزاهد العباداني‪:‬‬
‫ا‬ ‫ا‬
‫عمره‪ .‬وفي هذا السن وقعت في ذهنه مسالة أذهلته‪ ،‬مسالة لم يدر لها تعليال‪ ،‬ولم يفهم لها تفسيرا‪ ،‬لقد حيرته فسأل أهله أن‬
‫يبعثوه إلى البصرة عله يجد عند أحد من عارفيها تفسيرا ا لها‪ ،‬يقول سهل‪" :‬وقعت لي مسألة وأنا ابن ثالث عشرة سنة‪،‬‬
‫فسألت أن يبعثوا بي إلى البصرة أسأل عنها‪ ،‬فجئت البصرة‪ ،‬وسألت علماؤها‪ ،‬فلم يشفني ما سمعت‪ ،‬فخرجت إلى عبادان‬
‫إلى رجل يعرف بأبي حبيب حمزة بن عبد هللا العبادي‪ ،‬فسألته عنها فأجابني‪ .‬وأقمت عنده مدة أنتفع بكالمه وأتأدب بأدبه‪.‬‬
‫ثم رجعت إلى تستر " ‪.‬‬

‫‪-‬رابعا ا‪ :‬عصره الذي عاش فيه‪:‬‬

‫لقد رأى التستري في حياته هزات سياسية واجتماعية عنيفة‪ ،‬هزات أطاحت بالكثير من المبادئ والقيم‪ ،‬واستحدثت مبادئ‬
‫وقيما ا أخرى‪ .‬وهذه الهزات كانت نتيجة لتقلب األحوال السياسية والقتصادية في الدولة العباسية بعد تسلط الموالي من‬
‫الفرس والترك على الحكم حتى كانوا في وقت من األوقات هم الحكام الحقيقيون‪ ،‬والخليفة العباسي مجرد رمز للدولة‪.‬‬
‫ولهذه الظروف انتشرت عدة تيارات فكرية وروحية كان للتصوف والزهد النصيب األكبر منها‪ ،‬وكان هذا التيار رد فعل‬
‫طبيعي لما اشتهر في البالط العباسي من بذخ ومظاهر ترف مألت حاضرة الخالفة آنذاك‪ ،‬وظهر عدد من الزهاد ينسبون‬
‫لهذا العصر‪ ،‬واشتهرت مدن بأسرها‪ ،‬كعبادان بلجوء المتصوفة إليها‪.‬‬

‫لقد كانت هناك عوامل وأسباب كثيرة ذكرت حول خروج سهل رحمه هللا من‬ ‫و( خروجه من تستر إلى البصرة‪:‬‬
‫ا‬
‫تستر‪ ،‬أو طرده‪ ،‬وقد يكون أحد هذه العوامل واألسباب صحيحا‪ ،‬أو قد تكون تعاونت مع بعضها فأدت إلى هذه الحادثة‬
‫المعروفة تاريخيا ا‪ .‬ومن هذه العوامل واألسباب‪:‬‬

‫‪ )1‬فرضية التوبة على كل إنسان‪ :‬قال سهل‪" :‬ليس شيء في الدنيا من الحقوق أوجب على الخلق من التوبة‪ ،‬فهي واجبة‬
‫في كل لمحة ولحظة‪ ،‬ول عقوبة عليهم أشد من فقد علم التوبة‪ ،‬فقيل‪ :‬ما التوبة؟ فقال‪ :‬أن ل تنسى ذنبك" ‪.‬‬

‫قال الدكتور محمد كمال جعفر‪ :‬إن القول بأن التوبة أمر لزم‪ ،‬وفرض ثابت‪ ،‬ليس قولا فريدا ا أو غريبا ا أو مثار لكل هذه‬
‫الضجة التي أحاطت بالتستري احتجاجا ا ونفيا ا من البالد فإن هذا القول في الحقيقة ليس إل ترديدا ا لموقف صوفية كثيرون ‪.‬‬

‫‪ )2‬اتهامه باإللحاد‪:‬‬

‫ذكر فريد الدين العطار في كتابه "تذكرة األولياء" أن سبب خروجه من تستر هو اتهامه باإللحاد من أحد علماء أهل بلدته‪.‬‬

‫‪ )3‬كرامات سهل‪ ،‬وخوارق أفعاله‪ :‬قصة وجوده بمكة بعد وجوده بتستر بيوم واحد‪ ،‬مما أثار حفيظة رجال الدين في‬
‫موطنه‪ ،‬وجعل الناس يتجمعون عليه يسألونه عن صحة ذلك‪ .‬فلم ينف ولم يثبت واضطر إلى الهروب إلى جزيرة بين‬
‫عبادان وتستر‪ ،‬بحيث ل يمكن التصال به إل بواسطة قارب ‪.‬‬
‫‪ )4‬بيت السباع‪ ،‬واتصال سهل بالجن‪ :‬ذاع خبر منزل سهل بأنه بيت السباع‪ ،‬وذلك أن أهالي تستر أجمعوا على أن كثيرا ا‬
‫من الحيوانات المفترسة اعتادت أن تأتي إلى سهل ليطعمها‪ ،‬ثم تنصرف بعد أن تكون قد سدت جوعها‪ .‬وقد شاع أيضا ا‬
‫اتصال سهل بالجن ‪ ،‬وقد يثبت ذلك ما قاله ابن الجوزي‪ " :‬حكى رجل عن سهل أنه يقول‪" :‬أن المالئكة والجن والشياطين‬
‫يحضرونه‪ ،‬وإنه يتكلم إليهم‪ ،‬فأنكر ذلك عليه العوام‪ ،‬حتى نسبوه إلى القبائح‪ ،‬فخرج إلى البصرة‪ ،‬فمات بها"‪.‬‬

‫‪ )5‬عباراته الصوفية ذات المدللوت المعقدة‪ :‬كقوله‪" :‬مولي ل ينام‪ ،‬وأنا ل أنام" ‪ .‬وقوله‪" :‬أنا حجة هللا عليكم خاصة‬
‫وعلى الناس عامة"‪.‬‬

‫ومما قد يدفع ما يُفهم منه التسوية بين الخالق والمخلوق في عبارة سهل األولى‪ ،‬هو ما قاله سهل نفسه‪" :‬بأن عيون األنبياء‬
‫تنام ولكن قلوبهم تظل يقظة"‪ ،‬وقد ذكر أيضا ا في موضع آخر‪" :‬أن عيون األنبياء تنام ول ينام موضع الوحي فيهم وعيون‬
‫األولياء تنام ول ينام موضع حالهم" ‪ .‬وفهم العبارة بهذه الطريقة فيه تزكية سهل لنفسه وأنه من أولياء هللا‪ .‬وكون العبارة‬
‫تفهم بأنه من أولياء هللا خير من أن تفهم بأنه مساوي لخالقه‪.‬‬

‫أما عبارة سهل الثانية فقد أثارت العلماء أيما إثارة مما حدا ببعضهم إلى اقتحام دار التستري صائحا ا في وجهه هل أنت‬
‫نبي أم ولي؟! وقد أجاب التستري‪ :‬بأنه لم يقصد إلى شيء من ذلك‪ ،‬ولكنه أراد أن يبين أنه قد صحح قوانين تناول الحالل‬
‫ونفذها بكل دقة‪ ،‬متحرجا ا من أدنى شبهات‪ ،‬محترسا ا من أخفى أنواع الزلل حتى في المباح‪.‬‬

‫‪ )6‬حملته على القراء والفقهاء‪:‬يسهب سهل في نقده لطائفة خاصة من طوائف العلماء‪ ،‬وقد سمى أهلها بعلماء السوء‪ ،‬الذين‬
‫ل يهتمون إل بالمشاكل والشبهات والجدليات ويجدون لذة عظيمة في تصنيف األقوال‪ ،‬ويصفهم التستري باإلهمال في‬
‫الواجب وعدم الحرص في الحق‪ ،‬وهم في نظره يستغلون الخالفات‪ ،‬غافلين تماما ا عن الروح األصيلة للدين نفسه‪ .‬ويحكي‬
‫التستري عن الواحد من هؤلء بأنه "لو يُعطى جميع الدنيا ألخذها في هالك دينه ول يبالي"‪ .‬أما القراء فمعظمهم في نظر‬
‫التستري يحاكون المغنين في ترديد األنغام واأللحان‪ ،‬مما يصرف عن الهدف وهو التعاظ وتطهير السلوك‪.‬‬

‫والواقع أن التستري يرسم صورة سوداء لمعاصريه من العلماء‪ ،‬ويصفهم بأنهم مجرد نقلة وحفظة لعلم ل يعرفون قيمته‪،‬‬
‫وكانت نظرته للمستقبل أكثر سوادا ا حيث أنه يتوقع شيوع الفساد‪ ،‬وقد ذكر أن هناك أمارات إذا ظهرت في مجتمع فليكف‬
‫الفرد عن األمر بالمعروف والنهي عن المنكر وليقتصر على إصالح نفسه ومن هو أقرب إليه‪.‬‬

‫أما هذه األمارات فهي ظلم الحاكم‪ ،‬وقبوله الرشوة‪ ،‬واتباع العلماء له‪ ،‬وعدم مراجعتهم إياه معتزين بجاهه وقوته ‪.‬‬

‫وقد يكون الدافع لحملة سهل على العلماء‪ :‬هو رؤيته لصور من علماء السوء الذين وصفهم في كالمه السابق‪ ،‬ول يمنع أن‬
‫يكون هناك علماء أجالء هم محل تقدير وتبجيل من سهل‪ .‬ومن ذلك موقفه مع اإلمام أبي داود السجستاني ‪ ،‬حينما أتاه فقال‬
‫له‪" :‬أخرج لي لسانك الذي حدثت به أحاديث رسول هللا صلى هللا عليه وسلم حتى أقبله"‪ ،‬فأخرج له لسانه فقبله‪.‬‬

‫وفاتـه‪ :‬كانت وفاته رحمه هللا سنة ثالث وثمانين ومائتين في المحرم‪ ،‬وقيل سنة ثالث وسبعين ومائتين‪ ،‬وقيل إحدى‬
‫ومائتين بتستر ‪ .‬وقد رجح الدكتور محمد جعفر‪ ،‬أن وفاته سنة ثالث وثمانين ومائتين للهجرة‪.‬‬

‫وقد ذكر القشيري في رسالته‪" :‬أنه لما مات سهل بن عبد هللا انكب الناس على جنازته‪ ،‬وكان في البلد يهودي نيف على‬
‫السبعين فسمع الضجة فخرج لينظر ما كان‪ ،‬فلما نظر إلى الجنازة صاح وقال‪" :‬أترون ما أرى؟" فقالوا‪ :‬ل‪ ،‬ماذا ترى؟‬
‫فقال ‪" :‬أرى أقواما ا ينزلون من السماء يتمسحون بالجنازة"‪ .‬ثم إنه تشهد وأسلم‪ ،‬وحسن إسالمه‪.‬‬

‫ثانيا ا‪ :‬أصدقاء سهل وتالميذه‪:‬‬


‫‪ )1‬ذو النون المصري‪ :‬صوفي من مصر‪ ،‬يسجل المؤرخين لقاءهما بمكة أثناء الحج‪ .‬ويُذكر أن هناك عالقة وثيقة بين‬
‫سهل وذي النون‪ ،‬لدرجة تنبئ عن تالقي روحي تام‪ ،‬والقصة المأثورة عن بدء تصدر سهل للحديث في مسائل التصوف‬
‫تشير في نهايتها إلى إحساس سهل بوفاة ذي النون قبل أن يذاع الخبر في البصرة وبغداد‪.‬‬

‫‪ )2‬أبو عبد هللا‪ ،‬محمد بن أحمد سالم البصري‪ :‬ظل في خدمة سهل وصحبته ما يقرب من ستين سنة‪ ،‬وخدمه في جميع‬
‫شئونه الخاصة والعامة‪.‬‬

‫‪ )3‬الحالج ‪ :‬الحسين بن منصور الحالج‪ ،‬من تالميذ التستري الذين حظوا بإشرافه منذ صغره‪ ،‬ويبدو أن تعليمات التستري‬
‫بدت للحالج غير متكافئة آلماله ومطامحه فتركه ‪ ،‬وصحب الجنيد ببغداد‪.‬‬

‫‪ )4‬أبو محمد‪ ،‬الحسن بن علي بن خلف البربهاري‪ :‬شيخ الحنابلة في عصره‪ .‬ولقد حفظ بعض أقوال سهل وكان يرددها‬
‫على تالمذته وصحابه كالمعجب المستدل‪.‬‬

‫‪ )5‬أبو يعقوب السوسي الصوفي‪ :‬األستاذ العظيم الذي أشرف على أبي يعقوب إسحاق بن محمد النهرجوري‪ ،‬ومن هنا‬
‫نشأت عالقة الود بين النهرجوري و التستري‪.‬‬

‫‪ )6‬أبو حمزة الصوفي‪ ،‬محمد بن إبراهيم‪ :‬صديق آخر من أصدقاء سهل‪ ،‬وهو الصوفي الزاهد العظيم الذي اعتاد أن يلقي‬
‫المواعظ والخطب بمسجد الرصافة‪ ،‬ثم بالحرم النبوي الشريف‪ ،‬وقد توفي عام ‪269‬هـ‪.‬‬

‫‪ )7‬أبو الحسن البغدادي‪ ،‬علي بن محمد المزيـن‪ :‬توفي سنة ‪328‬هـ‪ ،‬صحب سهـل‬

‫و الجنيد‪.‬‬

‫‪ )8‬أبو محمد الجريري‪ ،‬أحمد بن محمد بن الحسين‪ :‬من كبار أصحاب الجنيد‪ ،‬صحب أيضا ا سهل‪ ،‬من علماء مشايخ القوم‪،‬‬
‫أقعد بعد الجنيد في مجلسه لتمام حاله‪ ،‬وصحة علمه‪ .‬مات سنة ‪311‬هـ‪.‬‬

‫‪ )9‬أبو الحسن‪ ،‬علي بن عبد العزيز الضرير الصوفي البغدادي‪:‬صحب سهل التستري ‪.‬‬

‫‪ )10‬أبو الحسن‪ ،‬عمر بن واصل العنبري‪ :‬ورد اسمه في تفسير التستري حوالي عشر مرات‪.‬‬

‫ثالثا ا‪ :‬ثقافتـه ومؤلفاتـه‪:‬‬

‫ثقافتـه‪:‬‬

‫قد يتصور البعض من نفور سهل من التعليم النظامي في الكتاب‪ ،‬وميله إلى العزلة والخلوة‪ ،‬أنه لم يكن ملم بالعلوم‬
‫والمعارف الدائرة في عصره‪ .‬والحقيقة أنه تعلم فروعا ا كثيرة من العلوم ومنها‪:‬‬

‫‪-‬علم الحديث الذي تلقاه عن خاله‪ ،‬وأظهر حبا ا عميقا ا وإجاللا فائقا ا له ولرجاله‪.‬‬

‫‪-‬علم الكالم والفلسفة‪ ،‬ويقول المستشرق الذي كتب مادة(سهل التستري) في دائرة المعارف اإلسالمية‪" :‬متكلم وصوفي من‬
‫أهل السنة‪....‬كان زاهدا ا ل يحيد قيد أنملة عن قواعد الحق‪ ،‬كما كان متكلما ا تزود من العلوم العقلية بزاد وافر"‪.‬‬

‫‪-‬تصور بعض الروايات أن سهل كان طبيبا ا وكيماويا ا يصنع الدواء ويمنحه للناس‪.‬‬

‫مؤلفاته‪:‬‬
‫أغلب الظن أن الكتب والرسائل التي نُسبت للتستري هي خالصة انتقاها ونقلها تالميذه من بعده‪ ،‬خاصة ابن سالم‪ .‬أما‬
‫أسباب عدم مباشرة سهل التستري للكتابة والتأليف‪ ،‬فألنه كان يثق ثقة كلية في التجربة الشخصية واللقاء المباشر‪ ،‬وكان‬
‫يؤمن بأن التربية عن طريق القدوة والمحاكاة‪ .‬وهو حريص على عدم إنفاق وقت كثير في القراءة والكتابة والجهد‬
‫النظري‪.‬‬

‫وكانت كتبه كما يلي ‪:‬‬

‫أولا‪ :‬المفقود منها‪ )1 :‬دقائق المحبين (أو رقائق)‪.‬‬

‫‪ )2‬مواعظ العارفين‪.‬‬

‫‪ )3‬جوابات أهل اليقين‪.‬‬

‫‪ )4‬كتاب الميثاق‪.‬‬

‫‪ )5‬قصص األنبياء‪.‬‬

‫‪ )6‬زايرجة‪.‬‬

‫‪ )7‬الغاية ألهل النهاية‪.‬‬

‫ثانيا ا‪ :‬المخطوطة منها‪:‬‬

‫‪)1‬رسالة في الحروف ‪.‬‬

‫‪)2‬رسالة في الحكم والتصوف‪.‬‬

‫‪)3‬مقالة في المنهيات‪.‬‬

‫‪ )4‬كالم سهل‪.‬‬

‫ثالثا ا‪ :‬المحقق منها‪:‬‬

‫‪ )1‬تفسير القرآن العظيم‪.‬‬

‫ولم أقف إل على تحقيقين هما‪:‬‬

‫‪-‬تحقيق محمد عيون السود‪.‬‬

‫‪-‬تحقيق محمود جبيرة هللا‪.‬‬

‫‪ )2‬كتاب المعارضة والرد على أهل الفرق وأهل الدعاوى في األحوال‪.‬‬

‫تحقيق‪ /‬محمد كمال جعفر‪.‬‬

‫رابعا ا‪ :‬عقيدتـه‪:‬‬

‫كان سهل رحمه هللا على مذهب أهل السنة والجماعة في العتقاد‪ ،‬فقد روى اإلمام الاللكائي في أصول اعتقاد أهل السنة‬
‫والجماعة بإسناده إلى سهل‪ ،‬أنه سئل ‪ :‬متى يعلم الرجل أنه على السنة والجماعة؟ فقال‪ :‬إذا عرف من نفسه عشر خصال‪:‬‬
‫ل يترك الجماعة‪ ،‬ول يسب أصحاب النبي صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬ول يخرج على هذه األمة بالسيف‪ ،‬ول يكذب بالقدر‪ ،‬ول‬
‫يشك في اإليمان‪ ،‬ول يماري في الدين‪ ،‬ول يترك الصالة على من يموت من أهل القبلة بالذنب‪ ،‬ول يترك المسح على‬
‫جار أو عدل ‪.‬‬
‫الخفين‪ ،‬ول يترك الجماعة خلف كل وال ِ‬
‫وقد ذكر اإلمام الاللكائي‪ ،‬سهل بن عبد هللا‪ ،‬في باب (سياق ذكر من رسم باإلمامة في السنة والدعوة والهداية إلى طريق‬
‫الستقامة بعد رسول هللا صلى هللا عليه وسلم إمام األئمة) ‪.‬‬

‫وقد رد سهل على القدرية‪ ،‬حيث روى الاللكائي عنه‪ ،‬وقد سئل عن القدر فقال ‪:‬اإليمان بالقدر فرض‪ ،‬والتكذيب به كفر‪،‬‬
‫والكالم فيه بدعة‪ ،‬والسكوت عنه سنة‪ .‬وقال‪ :‬من قال‪ :‬إن هللا ل يعلم الشيء حتى يكون فهو كافر‪ ،‬ومن قال القرآن مخلوق‬
‫فهو كافر بالربوبية ل كافر بالنعمة ‪.‬‬

‫وقد أشاد شيخ اإلسالم ابن تيمية بسهل وأمثاله في العتقاد فقال‪ :‬كالم سهل بن عبد هللا في السنة وأصول العتقاد أسد‪،‬‬
‫وأصوب من كالم غيره‪،‬وكذلك الفضيل بن عياض ونحوه فإن الذين كانوا من المشايخ اعلم بالحديث والسنة وأتبع لذلك هم‬
‫أعظم علما وإيمانا وأجل قدرا ا في ذلك من غيرهم‪.‬‬

‫خامسا ا‪ :‬شذرات من حكم هذا اإلمام‬

‫• أصولنا سبعة‪ :‬التمسك بالقرآن‪ ،‬والقتداء بالسنة‪ ،‬وأكل الحالل‪ ،‬وكف األذى‪ ،‬واجتناب اآلثام‪ ،‬والتوبة‪ ،‬وأداء الحقوق‪.‬‬

‫• عالمة حب هللا حب القرآن‪ ،‬وعالمة حب النبي صلى هللا عليه وسلم حب سنته‪ ،‬وعالمة حبها حب اآلخرة‪ ،‬وعالمة حبها‬
‫بغض الدنيا‪ ،‬وعالمة بغضها أن ل يتناول منها إل البلغة‪.‬‬

‫• األنفس معدودة‪ ،‬فكل نفس يخرج بغير ذكر هللا فهي ميتة‪ ،‬وكل نفس يخرج بذكر هللا فهي موصولة بذكر هللا‪.‬‬

‫• أصل الدنيا الجهل‪ ،‬وفرعها األكل والشرب واللباس والطيب والنساء والمال والتفاخر والتكاثر‪ ،‬وثمرتها المعاصي‪،‬‬
‫وعقوبة المعاصي اإلصرار‪ ،‬وثمرة اإلصرار الغفلة‪ ،‬وثمرة الغفلة الستجراء على هللا‪.‬‬

‫• أطيعوا السلطان في سبعة‪ :‬ضرب الدراهم والدنانير‪ ،‬والمكاييل واألوزان‪ ،‬واألحكام‪ ،‬والحج‪ ،‬والجمعة‪ ،‬والعيدين‪،‬‬
‫والجهاد‪ .‬وإذا نهى السلطان العالم أن يفتي‪ ،‬فإن أفتى فهو عاص‪ ،‬وإن كان أميرا ا جائرا ا‪.‬‬

‫البـاب الثاني‪ :‬دراسـة حـول الكتاب‬

‫أولا‪ :‬التعريف بالكتـاب‪:‬‬

‫اسم الكتاب‪:‬‬

‫عُرف الكتاب بتفسير التستري‪ ،‬وطبع في كتاب متوسط الحجم‪ ،‬باسم "تفسير القرآن العظيم" ‪.‬‬

‫وقد ُ‬
‫طبع هذا التفسير بمصر‪ ،‬سنة ‪1326‬هـ‪1908/‬م ‪.‬‬

‫مدى وثاقة الكتاب‪:‬‬

‫كسائر مؤلفات سهل رحمه هللا‪ ،‬فإن هذا الكتاب عبارة عن أقوال لسهل‪ ،‬جمعها أبو بكر‪ ،‬محمد بن أحمد البلدي‪ ،‬المذكور‬
‫في أول الكتاب‪ ،‬الذي يقول كثيراا‪ ،‬قال أبو بكر‪ُ ،‬‬
‫سئل سهل عن معنى كذا‪ .‬فقال‪ :‬كذا‪ .‬ثم ضمنها هذا الكتاب‪ ،‬ونسبها إليه ‪.‬‬
‫ويرى الدكتور محمد كمال جعفر أن دور أبي بكر بالنسبة للتفسير هو الرواية عن طريق والده أبي النصر‪ .‬ولما كان‬
‫التفسير مجرد تعليقات مقتضبة على بعض آيات القرآن في مناسبات مختلفة فال يستبعد أن يكون أبو بكر قد بوبه ورتبه‬
‫حسب السور‪ ،‬مطعما ا إياه ببعض الروايات التاريخية‪ ،‬أو السيرة الشخصية لسهل ‪.‬‬

‫ومما يؤكد أن سهالا لم يباشر كتابة التفسير بنفسه وجود بعض الروايات التاريخية‪ ،‬أو السيرة الشخصية لسهل‪ ،‬مثل خبر‬
‫احتضاره‪" ،‬قيل لسهل حين احتضر فيما تكفن؟ وأين تقبر؟ومن يصلي عليك بعد موتك؟ فقال أُدبر أمري حيا ا وميتاا‪ ،‬وقد‬
‫ُكفيت عنه بسابق تدبير هللا تعالى لعبده"‪ ،‬وذلك عند ذكر تفسير قوله تعالى‪} :‬يدبر األمر{‪.‬‬

‫وذُكر في تفسيره أيضا ا‪ " :‬كان من طريقه وسيرته أنه كثير الشكر والذكر‪ ،‬دائم الصمت والفكر‪ ،‬قليل الخالف سخي‬
‫النفس‪ ،‬قد ساد الناس بحسن الخلق والرحمة والشفقة عليهم والنصيحة لهم‪ ،‬متمسكا ا باألصل‪ ،‬عامالا بالفرع‪ ،‬قد حشى هللا‬
‫قلبه نوراا‪ ،‬وانطلق لسانه بالحكمة‪ ،‬وكان من خير األبدال‪ ،‬وإن قلنا من األوتاد فقد كان القطب الذي يدور عليه الرحى‪،‬‬
‫ولول أن الصحابة ل يقاس بهم أحد لصحبتهم و رؤيتهم لكان كأحدهم‪ ،‬عاش حميدا اومات غريبا ا بالبصرة رحمه هللا "‪.‬‬

‫وذكر صفاته ومكان وفاته في تفسيره دليل قوي على عدم مباشرة سهل لكتابة تفسيره بنفسه‪.‬‬

‫وأيضا ا وجود شرح لبعض أقواله‪ ،‬قال سهل‪" :‬فالبد للعبد من موله‪ ،‬ولبد له من كتابه‪ ،‬ولبد له من نبيه صلى هللا عليه‬
‫وسلم‪ ،‬إذ قلبه معدن توحيده‪ ،‬وصدره نور من جوهره‪ ،‬أخذ قواه من معدنه إلى هيكله‪."....‬‬

‫قوله‪" :‬صدره نور" أي موضع النور‪" .‬من جوهره" وهو أصل محل النور في الصدر‪ ،‬الذي منه ينتشر النور في جميع‬
‫الصدر‪ ،‬وإضافة الجوهر إلى هللا تعالى ليس المراد ذاته‪ ،‬وإنما هي على طريق الملك‪."....‬‬

‫أضف إلى ذلك وجود أقوال مثل‪ :‬سئل سهل‪ ،‬قيل لسهل‪ ،‬قلت لسهل‪ ،‬سمعته يقول‪.‬‬

‫ول يمنع كل ذلك صحة الحكم بأن ما به من أقوال يمثل في أمانة أراء سهل وأقواله‪ ،‬ذلك أن أسرة أبي بكر ‪-‬جامع‬
‫التفسير‪ -‬ذاع صيتها في العالم اإلسالمي من حيث اهتمامها بجمع ورواية الحديث وما تتصل بها من العلوم الدينية‪ .‬ويعتبر‬
‫أبو بكر ووالده من الثقات الذين يُعتد بروايتهم لشهرتهم بالضبط والتحري‪ ،‬ومن بين ما رواه الجامع الصحيح البخاري ‪.‬‬

‫وإلى جانب ذلك فإن معظم ما ورد في التفسير من أقوال سهل‪ ،‬موثقة في مصادر أخرى‪ ،‬مثل الرسالة القشيرية‪ ،‬وحلية‬
‫األولياء‪ ،‬وشذرات الذهب‪.‬‬

‫خدمات قدمت للكتاب ودراسات حوله‪:‬‬

‫وقفت على طبعتين للكتاب‪:‬‬

‫األولى‪ :‬تحقيق محمود جيرة هللا‪ ،‬تم طباعتها بالدار القافية للنشر‪ -‬مصر‪ ،‬سنة ‪1422‬هـ‪2002-‬م‪.‬‬

‫الثانية‪ :‬تحقيق محمد باسل عيون السود‪ ،‬تم طباعتها بدار الكتب العلمية‪-‬بيروت‪ ،‬سنة ‪1423‬هـ‪2002-‬م‪.‬‬

‫أما الدراسات التي كانت حول الكتاب فهي كالتالي‪:‬‬

‫األولى‪" :‬من التراث الصوفي" لسهل بن عبد هللا التستري‪ ،‬دراسة وتحقيق الدكتور محمد كمال جعفر‪.‬‬

‫الثانية‪" :‬التفسير والمفسرون" للدكتور محمد حسين الذهبي‪.‬‬

‫الثالثة‪" :‬من مناهج التفسير" للدكتور الشحات السيد زغلول‪.‬‬

‫الرابعة‪" :‬مناهج المفسرين" للدكتور منيع عبد الحليم محمود‪.‬‬

‫الخامسة‪" :‬التفسير بالرأي قواعده وضوابطه وأعالمه" للدكتور محمد حمد زغلول‪.‬‬

‫السادسة‪" :‬مناهل العرفان" للزرقاني‪.‬‬


‫وهذا ما تيسر لي الوقوف واإلطالع عليه من الكتب التي خصت الكتاب بالدراسة‪ ،‬أو تطرقت للحديث عنه‪ .‬ومعظم هذه‬
‫الكتب اعتمدت على كتاب "التفسير والمفسرون" للدكتور الذهبي‪.‬‬

‫ثانيا ا‪ :‬منهج المؤلف في الكتاب‬

‫لم يتعرض سهل التستري رحمه هللا لتفسير القرآن آية أية‪ ،‬بل تكلم عن آيات محدودة ومتفرقة من جميع سور القرآن‪،‬‬
‫وكان معظم هذه التفاسير إجابة عن أسئلة ُوجهت إليه من أصحابه أو جلسائه‪.‬وقد افتتح جامع تفسير التستري بمقدمة‬
‫احتوت على ما يلي‪:‬‬

‫أولا) مبادئ أولية في فهم القرآن في نظر سهل ‪،‬مثال قال سهل‪" :‬وما من آية في القرآن إل ولها أربعة معان‪ ،‬ظاهر‬
‫وباطن وحد ومطلع‪ ،‬فالظاهر التالوة‪ ،‬والباطن الفهم‪ ،‬والحد حاللها وحرامها‪ ،‬والمطلع إشراف القلب على المراد بها فقها ا‬
‫من هللا عز وجل‪ .‬فالعلم الظاهر علم عام‪ ،‬والفهم لباطنه‪ ،‬والمراد به خاص‪ ،‬قال تعـالى‪ { :‬فامـاا ِل ٰ اهؤ ۤ‬
‫ُلءِ ْٱلقا ْو ِم لا ياكاادُونا‬
‫يا ْفقا ُهونا احدِيثـا ا} ]النساء‪ [78‬أي ل يفقهون خطابا ا‪.‬‬

‫ومن هذه العبارة يتبين لنا أن سهل يرى أن الظاهر هو المعنى اللغوي الذي يعرفه اإلنسان العربي‪ ،‬أما المعاني الباطنة فال‬
‫يعرفها إل أهل هللا بتعليم هللا إياهم وإرشادهم‪ .‬وحا ل سهل في ذلك حال كثير من الصوفية الذين قاموا بتفسير القرآن‪،‬‬
‫معتمدين في ذلك على ما يسمى بعلم اإلشارة‪ .‬وهو علم ما في القران من أسرار عن طريق العمل به‪ ،‬وتأويل القران‬
‫الكريم بغير ظاهر عباراته إلشارات خفية ل تظهر إل ألرباب السلوك والتصوف وأهل الحقيقة أو المشاهدة‪ ،‬ويمكن‬
‫الجمع بين هذه اإلشارات وبين ظاهر اآلية‪.‬‬

‫وقد اختلف العلماء في حكم التفسير اإلشاري على قولين‪ :‬األول‪ :‬المنع‪ .‬والثاني‪:‬اإلجازة بشروط‪ ،‬وهي كما يلي ‪:‬‬

‫أ) أن ل يكون منافيا للظاهر من النظم القرآني ‪ .‬ب) أن يكون له شاهد شرعي يؤيـده ج) أن ل يكون له معارض شرعي‬
‫أو عقلي‪ .‬د) أن ل يدعي أن التفسير اإلشاري هو المراد وحده دون الظاهر ‪.‬‬

‫ويوجد عدة مقالت لعدد من العلماء تحدثت عن حكم التفسير اإلشاري ل يحتمل المقام لذكرها اآلن ‪.‬‬

‫ثانيا ا)باب صفات طالب فهم القرآن‪ ،‬وذكر فيها أقوال لسهل‪ ،‬وأحاديث عن رسول هللا صلى رواها سهل‪ ،‬مثال ذلك قال‬
‫سهل‪" :‬العجب كل العجب لمن قرأ القرآن ولم يعمل به‪ ،‬ولم يجتنب ما نهاه هللا عنه‪ ،‬أما استحيا من هللا ومحاربته ومخالفته‬
‫وأمره ونهيه بعد علمه به؟ فأي شيء أعظم من هذه المحاربة؟ ألم يسمع وعده ووعيده؟ ألم يسمع ما وعد هللا به من النكال‬
‫ٱّلل قا ِريب مِنا ْٱل ُمحْ ِسنِينا }]األعراف‪ [56‬فيجتهد في اإلحسان؟ ألم‬
‫فيرحم نفسه ويتوب؟ ألم يسمع قوله تعالى‪{ :‬إِ َن ارحْ امةا َ ِ‬
‫يسمع قوله‪" :‬ورحمتي سبقت عذابي" فيرغب في رحمته‪.‬‬

‫ثالثا ا) فصل في (قول بسم هللا الرحمن الرحيم)‪ :‬قال أبو بكر‪ :‬سئل سهل عن معنى "بسم هللا الرحمن الرحيم"‪ ،‬فقال‪" :‬الباء‬
‫بهاء هللا عز وجل‪ .‬والسين سناء هللا عز وجل‪ .‬والميم مجد هللا عز وجل‪."....‬‬

‫أما التفسير فقد ابتدأه بتفسير سورة الفاتحة كاملة‪ ،‬ما عدا قوله تعالى‪}:‬الرحمن الرحيم{حيث سبق شرحها في مقدمة الكتاب‪،‬‬
‫وأختتمه بتفسير ثالث آيات من سورة الناس‪.‬‬

‫وكان منهج سهل رحمه هللا في التفسير كما سنوضحه في التالي‪:‬‬

‫أولا‪ :‬لم يقتصر سهل رحمه هللا في تفسيره على المعاني اإلشارية وحدها‪ ،‬بل نجده يذكر أحيانا ا المعاني الظاهرة ثم يعقبها‬
‫ٱلطيِبُ و ا ْٱلعا ام ُل ٱل َ‬
‫صا ِل ُح يا ْرفاعُه ُ }]فاطر‪[10‬قال‪ :‬ظاهرها‬ ‫صعا ُد ْٱل اك ِل ُم َ‬
‫بالمعاني اإلشارية ‪ .‬مثال تفسير قوله تعالى‪ { :‬إِلا ْي ِه يا ْ‬
‫الدعاء والصدقة‪ ،‬وباطنها الذكر‪ ،‬عمالا بالعلم‪ ،‬وإقبالا بالسنة‪ ،‬يرفعه أي يوصله باإلخالص فيه هلل تعالى ‪.‬‬

‫ِين‬
‫ساك ِ‬ ‫سانا ا اوبِذِي ْٱلقُ ْربا ٰى و ا ْٱليات اا ام ٰى و ا ْٱل ام ا‬ ‫شيْئا ا و ابِ ْٱل اوا ِل ادي ِْن إِحْ ا‬
‫ٱّلل اولا ت ُ ْش ِركُواْ بِ ِه ا‬
‫ويقول في تفسير قوله تعالى‪{ :‬و اٱ ْعبُدُواْ َ ا‬
‫ٱّلل لا يُحِ ب امن اكانا ُم ْخت االا‬ ‫سبِي ِل او اما املاكاتْ أ ا ْي امانُ ُك ْم إِ َن َ ا‬ ‫ب و اٱب ِْن ٱل َ‬ ‫ب بِٱل اج ْن ِ‬‫ب و اٱلصَاحِ ِ‬ ‫ار ْٱل ُجنُ ِ‬
‫ار ذِي ْٱلقُ ْربا ٰى و ا ْٱل اج ِ‬
‫و ا ْٱل اج ِ‬
‫فا ُخورا ا} ]النساء‪" .[36‬وأما ظاهرها فالجار الجنب البعيد األجنبي‪ .‬والصاحب بالجنب هو الرفيق في السفر‪ ،‬وقد قيل‬
‫الزوجة‪ ،‬وابن السبيل الضيف‪ .‬وأما باطنها فالجار ذو القربى هو القلب‪ ،‬والجار الجنب هو الطبيعة‪ ،‬والصاحب بالجنب هو‬
‫العقل المقتدى بالشريعة‪ ،‬وابن السبيل هو الجوارح المطيعة هلل" ‪.‬‬

‫وتعتبر مثل هذه التفاسير كالما ا صحيحا ا في ذاتها‪ ،‬إل أنها ل تعد تفسيرا ا وبيانا ا لمعاني اآليات ومراد هللا‪ ،‬كما ذكر ذلك شيخ‬
‫اإلسالم ابن تيمية في مجموع فتاويه قوله‪" :‬أما الذين يخطئون في الدليل ل في المدلول فمثل كثير من الصوفية والوعاظ‬
‫والفقهاء وغيرهم‪ ،‬يفسرون القرآن بمعان صحيحة لكن القرآن ل يدل عليها" ‪.‬‬

‫ويعد هذا التفسير من قبيل ذكر منهم لنظير ما ورد في القرآن‪ ،‬فإن النظير يذكر بالنظير‪ ،‬كما بين ابن الصالح رحمه هللا‬
‫ذلك في مقالته‪.‬‬

‫ثانيا ا‪ :‬ويصرح أحيانا ا بالمعنى الباطن وحده‪،‬دون أن يذكر المعنى الظاهر‪ ،‬مثل قوله تعالى‪ } :‬اوه اُو يُحْ يِـي ْٱل ام ْوت ٰاى‬
‫{[الشورى‪ ]9‬باطنها قلوب كل أهل الحق يحييها بذكره ومشاهدته ‪.‬‬

‫سسُواْ } [سورة الحجرات آية‪ ]12‬قال‪ :‬أي ل‬


‫ثالثا ا‪ :‬قليالا ما كان يقتصر على المعنى الظاهر ‪ .‬مثال قال تعالى‪ { :‬اولا ت ا اج َ‬
‫تبحث عن المعايب التي سترها هللا على عباده‪ ،‬فإنك ربما تُبتلى بذلك‪.‬‬

‫ظ ال ُم ۤواْ إِ َن فِي ٰذلِكا آلياةا ِلقا ْوم‬


‫رابعا ا‪ :‬ويصرح أحيانا ا بلفظ اإلشارة‪ ،‬مثال قوله تعالى‪ { :‬افت ِْلكا بُيُوت ُ ُه ْم خاا ِوياةا بِ اما ا‬
‫يا ْعلا ُمونا }[النمل‪ .]52‬قال‪" :‬اإلشارة في البيوت إلى القلب‪ ،‬فمنها ما هو عامر بالذكر‪ ،‬ومنها ما هو خرب بالغفلة‪ ،‬ومن ألهمه‬
‫هللا عز وجل بالذكر فقد خلصه من الظلم" ‪.‬‬

‫خامسا ا‪ :‬حين يعرض سهل للمعاني اإلشارية ل يكون واضحا ا في كل ما يقوله‪ ،‬بل تارة يأتي بالمعاني الغريبة التي نستبعد‬
‫أن تكون مرادة هلل تعالى ‪ ،‬وذلك كالمعاني التي ذكرناها في فصل (قول بسم هللا الرحمن الرحيم)‪ .‬ومثل تفسيره لفاتحة‬
‫البقرة { ۤالمۤ } حيث قال سهل‪" :‬فأما هذه الحروف إذا انفردت‪ ،‬فاأللف تأليف هللا عز وجل ألف األشياء كما شاء‪ ،‬والالم لطفه‬
‫القديم‪ ،‬والميم مجده العظيم" ‪.‬‬

‫وهذه األمثلة يتضح فيها شطط هذا التجاه‪ ،‬والمغالة فيه‪ .‬وقد ذكر ابن تيمية في مجموع فتاويه‪ ،‬عن تفسير الصوفية قوله‪:‬‬
‫"وإن كان فيما ذكروه ما هو معان باطلة فإن ذلك يدخل في القسم األول‪ ،‬وهو الخطأ في الدليل والمدلول جميعاا‪ ،‬حيث‬
‫يكون المعنى الذي قصدوه فاسدا ا" ‪.‬‬

‫سادسا ا‪ :‬قد يأتي التستري رحمه هللا بمعان غريبة يمكن أن تكون من مدلول اللفظ‪ ،‬أو مما يشير إليه‪ ،‬ول يذكر أنها من قبيل‬
‫ّلل أان ادادا ا اوأ ا ْنت ُ ْم ت ا ْعلا ُمونا }[البقرة‪ ]23‬أي أضدادا‪.‬ا فأكبر األضداد‬
‫الباطن أو الظاهر‪ .‬مثل تفسيره لقوله تعالى‪{ :‬فاالا تاجْ عالُواْ َ ِ‬
‫ى من هللا ‪.‬‬ ‫النفس األمارة بالسوء المتطلعة إلى حظوظها ومناها بغير هد ا‬

‫ومن المعلوم أن األنداد في هذه اآلية المقصود بها األصنام‪ ،‬ولكن رحمه هللا جعل النفس األمارة بالسوء داخلة تحت عموم‬
‫األنداد‪ .‬وقد يكون لهذا التفسير وجه من الصحة‪ ،‬حيث أن النفس األمارة قد تقود صاحبها للهالك‪ ،‬وتصبح إلهه الذي‬
‫يوجهه‪ ،‬كما قال تعالى‪} :‬أفرأيت من اتخذ إلهه هواه{‪ .‬ومن المهم أن ل نعتبر بمثل ذلك تفسيرا ا لمراد هللا بعينه‪ ،‬وإنما يُقصد‬
‫به ذكر النظير‪.‬‬

‫سابعا ا‪ :‬لم يخلو تفسير التستري رحمه هللا من القول بالمأثور‪ ،‬فقد ذكر فيه كثير من النقول عن الصحابة والتابعين ‪ ،‬مثال‬
‫قوله تعالى‪ { :‬او اجعا ال لا ُك ْم ِم ْن أ ا ْز او ِ‬
‫اج ُكم ابنِينا او احفا ادة ا }[النحل‪ ]72‬قال‪ :‬روي عن ابن مسعود رضي هللا عنه أنه قال‪ :‬الحفدة‬
‫األختان‪ .‬وعن ابن عباس رضي هللا عنهما أنه قال‪ :‬البنون الصغار الصغار‪ ،‬والحفدة الذين يعينون الوالد على عمله‪ .‬وعن‬
‫الضحاك قال‪ :‬الحفدة الخدمة هلل إيجابا ا بغير سؤال منهم غيره ‪.‬‬

‫ثامنا ا‪ :‬أن تفسير التستري يختلف اختالفا كامالا عن تفسيرات المدارس الكالمية‪ ،‬وتفسيرات الباطنية‪ ،‬ويمكن الستدلل على‬
‫ذلك بأن التستري ل يؤول اآليات القرآنية المشيرة إلى ما قد يفهم من تشبيه كآيات الوجه واليدين تلك اآليات التي‬
‫ٱّللِ فا ْوقا أ ا ْيدِي ِه ْمًا }[الفتح‪ ]10‬أي حول‬
‫اضطرت العقليين إلى تأويلها وصرفها عن معناها الظاهر ‪ .‬مثال قوله تعالى‪ { :‬اي ُد َ‬
‫هللا وقوته فوق قوتهم وحركتهم‪ ،‬وهو قولهم للرسول صلى هللا عليه وسلم عند البيعة‪" :‬بايعناك على أن ل نفر ونقاتل لك"‪.‬‬
‫وفيها وجه آخر أي منة هللا عليهم في الهداية لبيعتهم وثوابه لهم فوق بيعتهم وطاعتهم لك ‪.‬‬

‫سئل عن ذات هللا سبحانه‪ ،‬فقال‪" :‬ذات موصوفة بالعلم‪،‬غير مدركة باإلحاطة ول مرئية باإلبصار في دار الدنيا‪ ،‬وهي‬
‫ولقد ُ‬
‫ا‬
‫موجودة بحقائق اإليمان من غير حد ول حلول‪ ،‬وتراه العيون في العقبى ظاهرا في ملكه وقدرته‪ .‬وقد حجب سبحانه‬
‫وتعالى الخلق عن معرفة كنه ذاته‪ ،‬ودلهم عليه بآياته‪ ،‬فالقلوب تعرفه‪ ،‬واألبصار ل تدركه‪ ،‬ينظر إليه المؤمنون باألبصار‬
‫من غير إحاطة ول إدراك نهاية" ‪.‬‬

‫كما أن التستري ل ينفي قواعد الشريعة‪ ،‬ول يحول اآليات المتعلقة بها إلى معاني رمزية أو مجازية‪ ،‬كما أنه ل يجعل‬
‫للمعاني المباشرة التي يشهد لها النص مركزا ا ثانوياا‪ ،‬أو تابعا ا لمعناها اإلشاري‪ ،‬بل يجعل المعنى األصلي أساسا ا‪ .‬مثال‬
‫ت}[البقرة‪ ]238‬أي داوموا على إقامتها ‪.‬‬ ‫صلا اوا ِ‬
‫علاى ٱل َ‬ ‫قوله تعالى‪ { :‬احافِ ُ‬
‫ظواْ ا‬

‫تاسعا ا‪ :‬تعلو نغمة الوعظ‪ ،‬وتطهير القلوب‪ ،‬وتزكية النفوس‪ ،‬والتحلي باألخالق والفضائل‪ ،‬منهج سهل في تفسيره ‪ .‬مثال‬
‫ض ُه ْم أ ا ْو ِلياآ ُء با ْعض}[التوبة‪ ]71‬قال‪:‬‬ ‫ذلك تصديره بكلمة اعلموا في كثير من كالمه‪ ،‬قال تعالى‪{ :‬و ا ْٱل ُمؤْ مِ نُونا و ا ْٱل ُمؤْ مِ ناا ِ‬
‫ت با ْع ُ‬
‫موالته مع المؤمنين‪ ،‬كف األذى عنهم‪ .‬قال‪ :‬واعلموا أن العبد ل يبلغ حقيقة اإليمان حتى يكون لعباد هللا كاألرض‪ ،‬إذ هم‬
‫عليها ومنافعهم منها ‪.‬‬

‫ومنه أيضا ا ذكر حكايات الصالحين وأخبارهم‪ ،‬مثال عند تفسيره لسورة العصر‪ ،‬ذكر‪" :‬أن رجالا لحق أويس القرني رحمه‬
‫هللا فسمعه يقول‪ :‬اللهم إني أعتذر إليك اليوم من كل كبد جائعة وبدن عاري‪ ،‬فإنه ليس في بيتي من الطعام إل ما في بطني‪،‬‬
‫وليس شيء من الدنيا إل ما على ظهري‪ .‬قال‪ :‬وعلى ظهره خريقة قد تردى بها ‪.‬‬

‫عاشرا ا‪ :‬يسلم سهل بالحادثة التاريخية التي تتصل باألحداث الماضية‪ ،‬بل ربما استغلها في تأسيس معنى يهدف إلى مواطن‬
‫سدا ا لَه ُ‬
‫س ٰى مِ ن با ْع ِد ِه مِ ْن ُحلِيِ ِه ْم عِجْ الا اج ا‬
‫العبرة والعظة للنفس اإلنسانية ‪ ،‬من ذلك تفسيره لقوله تعالى‪{ :‬و اٱت َ اخذا قا ْو ُم ُمو ا‬
‫ُخ اوار}[األعراف‪ ]148‬قال‪ :‬عجل كل إنسان ما أقبل عليه‪ ،‬فأعرض به عن هللا من أهل وولد‪ ،‬ول يتخلص من ذلك إل بعد‬
‫إفناء جميع حظوظه من أسبابه‪ ،‬كما لم يتخلص عبدة العجل من عبادته إل بعد قتل النفوس ‪.‬‬

‫الحادي عشر‪ :‬قد يحيل بعض الموضوعات والظواهر الكونية إلى حالت أو مبادئ نفسية بغية ترقيق القلوب‪ ،‬وشحذ‬
‫روحانيتها‪ ،‬باستخدام رموز معينة‪ ،‬فالبحر وأم القرى والبيت المعمور تشير إلى القلب ‪ .‬مثال قوله تعالى‪ { :‬ام ار اج ْٱلباحْ اري ِْن‬
‫ان}[الرحمن‪ ]19‬قال‪ :‬أحد البحرين القلب‪ ،‬فيه أنواع الجواهر‪ :‬جوهر اإليمان وجوهر المعرفة وجوهر التوحيد وجوهر‬ ‫يا ْلت ا ِقيا ِ‬
‫الرضى وجوهر المحبة وجوهر الشوق وجوهر الحزن وجوهر الفقر وغيرها‪ ،‬والبحر اآلخر النفس ‪.‬‬

‫الثاني عشر‪ :‬يستمد من اللغويين ما يرتضيه من معان‪ ،‬وخاصة من أبي عمرو بن العالء‪ ،‬أحد القراء السبعة‪ ،‬ومن أئمة‬
‫اللغة واألدب‪ .‬مثال ذلك قوله تعالى‪ { :‬اولا ْولا ار ْه ُ‬
‫طكا لا ار اج ْمنااكا }[هود‪ ]91‬قال‪ :‬حكى محمد بن سوار عن أبي عمرو بن‬
‫العالء أنه قال‪ :‬الرهط المأل‪ ،‬والنفر الرجال من غير أن تكون فيهم امرأة ‪.‬‬

‫الثالث عشر‪ :‬يستشهد سهل رحمه هللا أحيانا ا بالشعر‪ ،‬مثال تفسيره لقوله تعالى‪ { :‬او ِإذ نات ا ْقناا ْٱل اج اب ال}[األعراف‪ ]171‬قال‪ :‬يعنى‬
‫فتقنا وقد زعزعنا‪ ،‬كما قال العجاج‪:‬‬

‫قـد رببـوا أحالمنـا الجالئـال وفتقـوا أحالمنـــا األثاقـال‬

‫ص ِم ْٱلك ااواف ِِر} [الممتحنة‪]10‬‬


‫الرابع عشر‪ :‬كان دائم التحذير من البدع وأهلها‪ ،‬مثال عند تأويله لقوله تعالى‪ { :‬اولا ت ُ ْم ِسكُواْ ِب ِع ا‬
‫قال‪ :‬ل توافقوا أهل البدع على شيء من أهوائهم وآرائهم ‪.‬‬

‫وقال عند تفسير آخر آية من سورة المجادلة‪ :‬كل من صح إيمانه فإنه ل يأنس بمبتدع ويجابهه‪ ،‬ول يؤاكله ول يشاربه ول‬
‫يصاحبه‪ ،‬ويظهر له من نفسه العداوة والبغضاء‪ ،‬ومن داهن مبتدعا ا سلبه هللا حالوة السنن‪ ،‬ومن تحبب إلى مبتدع نزع هللا‬
‫نور اإليمان من قلبه‪ ،‬ومن لم يصدق فليجرب ‪.‬‬

‫ثالثا ا‪ :‬كلمة حول تفسير التستري‬

‫إن كتاب التستري الذي بين أيدينا فهو في مجمله كتاب اشتمل على الكثير من الرقائق والمواعظ‪ ،‬ونسبته إلى كتب‬
‫التفسير من باب التجاوز‪ .‬وقد ذكر السيوطي في كتابه اإلتقان قوله‪" :‬وأما كالم الصوفية في القرآن فليس بتفسير"‪.‬‬
‫أما كالم ابن الصالح الذي سبق اإلشارة إليه‪ ،‬وهو أن تفسير الصوفية من باب ذكر النظير بالنظير‪ ،‬فقد أعقبه بقوله‪" :‬ومع‬
‫ذلك فياليتهم لم يتساهلوا بمثل ذلك‪ ،‬لما فيه من اإليهام واإللباس"‪ .‬ومن كالمه يتبين لنا أنه حتى إذا جاز ذكر النظير‬
‫بالنظير فإنه في القرآن يكون من األولى تركه‪.‬‬

‫والكتاب ل يزود طالب العلم بالكثير من المعارف المتعلقة بتفسير آيات هللا‪ ،‬أو علوم اللغة‪ .‬إل أنه يشتمل على المواعظ‬
‫والرقائق التي يمكن التزود منها‪.‬‬

‫وبعمل استقراء بسيط حول كتب التفسير(الطبري ‪/‬ابن كثير‪/‬القرطبي)‪ ،‬لم أجد استشهادا ا بأقوال سهل رحمه هللا سوى في‬
‫كتاب اإلمام القرطبي رحمه هللا‪ .‬والذي استشهد بأقوال سهل في عشرة مواضع فقط‪ .‬وقد وجدت فيه أقوالا للتستري في‬
‫تفسير آيات لم ترد في تفسيره‪ .‬مثل تفسير اآلية رقم (‪ )59‬من سورة النساء‪ ،‬وتفسير اآلية رقم (‪ )97‬من سورة النحل‪،‬‬
‫وتفسير اآلية رقم (‪ )23‬من سورة الجاثية‪ ،‬وغيره‪.‬‬

‫مميزات ومآخذ على تفسير التستري‬

‫أولا‪ :‬المميزات‪:‬‬

‫‪ /1‬حجم الكتاب اللطيف يساعد طلبة العلم على قراءته‪.‬‬

‫‪ /2‬احتوائه على رقائق وحكم ومواعظ كثيرة‪.‬‬

‫‪ /3‬تقديمه بمقدمة تبين فيها منهجه في التفسير‪.‬‬

‫‪ /4‬استشهاده برأي السلف والصحابة في تفسير بعض اآليات‪.‬‬

‫‪ /5‬إن سهل رحمه هللا لم يرد في تفسيره ما يدعم مذهب سياسيا ا أو باطنياا‪ ،‬كما يظهر ذلك من تفسيره‪ .‬بل منعه اعتقاده‬
‫مذهب أهل السنة والجماعة عن تأويل الصفات كما فعل بعض المفسرين‪ .‬ذكر العالمة محمد صديق خان في كتابه "قطف‬
‫الثمر"‪ :‬فمذهبنا مذهب السلف‪ ،‬إثبات بال تشبيه‪ ،‬وتنزيه بال تعطيل‪ ،‬وهو مذهب أئمة اإلسالم كمالك‪ ،‬والشافعي‪ ،‬والثوري‪،‬‬
‫واألوزاعي‪ ،‬وابن المبارك‪ ،‬واإلمام أحمد‪ ،‬وإسحاق بن راهويه‪ ،‬وهو اعتقاد المشايخ المقتدى بهم‪ ،‬كالفضيل بن عياض‪،‬‬
‫وأبي سليمان الداراني‪ ،‬وسهل بن عبدهللا التستري‪ ،‬وغيرهم‪ .‬فإنه ليس بين هؤلء األئمة نزاع في أصول الدين" ‪.‬‬

‫‪ /6‬تفسير التستري يعتبر خير من كثير من تفاسير الصوفية‪ .‬وقد ذكر ابن تيمية في منهاج السنة النبوية قوله‪ :‬وكذلك‬
‫شيوخ الزهد إذا أراد الرجل أن يقدح في بعض الشيوخ ويعظم آخر فأولئك أولى بالتعظيم وأبعد عن القدح‪ ،‬كمن يفضل أبا‬
‫يزيد الشلبي وغيرهما ممن يحكى عنه نوع من الشطح على مثل الجنيد وسهل التستري وغيرهما ممن هو أولى بالستقامة‬
‫وأعظم قدرا ‪.‬‬

‫ثانيا ا‪ :‬المآخذ‪:‬‬

‫‪ /1‬عند استشهاده بالحديث لم يكن سهل من المسندين‪ ،‬لذلك غالبا ا ما نراه يأتي بأحاديث وأخبار مما اشتهر على ألسنة‬
‫الناس‪ ،‬بغض النظر عن كونه ضعيف‪ ،‬أو ما هو دون ذلك في الدرجة‪.‬‬

‫‪ /2‬أقواله دائما ا في غاية اإليجاز بل اإللغاز أحيانا ا مما يجعل القارئ ل يستطيع فهمها مباشرة‪.‬‬

‫‪ /3‬عدم تفسيره للقرآن كامالا‪.‬‬

‫‪ /4‬كما ذكرنا سابقا ا فإن تفسيره بهذه الطريقة يؤدي إلى اللبس واإليهام حيث يُظن أن تفسيره هو مراد هللا‪.‬‬
‫تم بحمد هللا وتوفيقه‬

‫المراجع‬

‫‪ )1‬تفسير التستري‪-‬تحقيق محمد باسل عيون السود‪.‬‬

‫‪ )2‬شيخ العارفين سهل بن عبدهللا التستري‪-‬تحقيق محمد جيرة هللا‪.‬‬

‫‪ )3‬من التراث الصوفي‪-‬لسهل بن عبدهللا التستري‪-‬تحقيق محمد كمال جعفر‪.‬‬

‫‪ )4‬التفسير والمفسرون‪-‬لإلمام الذهبي‪.‬‬

‫‪ )5‬التفسير بالرأي قواعده وضوابطه وأعالمه‪-‬محمد حمد زغلول‪.‬‬

‫‪ )6‬نشأة التفسير ومذاهبه في ضوء المذاهب اإلسالمية‪-‬للدكتور محمود بسيوني فودة‪.‬‬

‫‪ )7‬مناهج المفسرين‪-‬للدكتور منيع عبد الحليم محمود‪.‬‬

‫‪ )8‬من مناهج التفسير‪-‬للدكتور الشحات السيد زغلول‪.‬‬

‫‪ )9‬التجاهات الفكرية في التفسير‪ -‬للدكتور الشحات السيد زغلول‪.‬‬

‫‪ )10‬مناهل العرفان‪-‬للزرقاني‪.‬‬

‫‪ )11‬مجموع فتاوي شيخ اإلسالم ابن تيمية‪-‬جمع وترتيب عبد الرحمن النجدي الحنبلي‪.‬‬

‫‪ )12‬شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة‪-‬للشيخ الاللكائي‪.‬‬

‫‪ )13‬األعالم‪-‬لخير الدين الزركشي‪.‬‬

‫‪ )14‬شذرات الذهب في أخبار من ذهب‪-‬لبن العماد‪.‬‬

‫‪ )15‬الرسالة القشيرية‪-‬لإلمام أبي القاسم القشيري‪-‬تحقيق عبد الحليم محمود و محمود بن شريف‪.‬‬

‫‪ )16‬وفيات األعيان وأنباء أبناء الزمان‪-‬لبن خلكان‪-‬تحقيق الدكتور إحسان عباس‪.‬‬

‫‪ )17‬الستقامة‪-‬لبن تيمية‪-‬تحقيق محمد رشاد سالم‪.‬‬

‫‪ )18‬معجم المؤلفين‪-‬عمر رضا كحالة‪.‬‬

‫‪ )19‬حلية األولياء‪-‬ألبي نعيم األصبهاني‪.‬‬

‫‪ )20‬معجم البلدان‪-‬لياقوت الحموي‪.‬‬

‫‪ )21‬العارف باهلل سهل بن عبدهللا التستري حياته وآراؤه‪-‬للدكتور عبد الحليم محمود‪.‬‬

‫‪ )22‬قطف الثمر في بيان عقيدة أهل األثر‪-‬للعالمة الشريف محمد صديق خان‪-‬تحقيق الدكتور عاصم القريوني‪.‬‬

‫‪ )23‬منهاج السنة النبوية في نقد كالم الشيعة القدرية‪-‬لبن تيمية‪-‬تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم‪.‬‬